كُتّاب وآراء

غياب الرقابة في إنتاج الفن يٶدي إلی تدهور منظومة القيم

حفيظة لبياض٠

تزعزعت الروابط الإجتماعية والإنسانية نتيجة تحولات منظومة القيم والأخلاق، إثر الغزو الإمبريالي الثقافي وکوکبة العالم، عبر مختلف وساٸل الإعلام المصطنعة من قبل أجندة خارجية ثم التقنيات الحديثة، مما أنجب جيلا مبعثرا فکريا وأخلاقيا، جيلا لا مسٶول ولا واعي بأوضاع بلاده وأزمات مجتمعه، جيلا لا يأخذ من المواقع الإلکترونية والتواصل الإجتماعي سوی الجوانب السيٸة، مستمتعا بمشاهدة الأفلام الإباحية والکوميديا التعسفية، ثم تراجيديا اللاأخلاقية، دون حماية ولا مراقبة من هذا الخطر التکنولوجي الرهيب، وذلك في ظل غياب دور الأسرة والمدرسة، وإنبطاح المسٶولين وراء المناصب العليا والتشبث بالکراسي، ناٸمين في مکاتبهم الدافٸة في الشتاء ووسط المسابح في الصيف، تحت ذريعة تحقيق تنمية البلاد عبر استغلال العباد٠

فأصبح الجميع يتساٸل عن أسباب ومسببات الأزمات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية ثم الثقافية، غير مبالين للوساٸل والآليات اللازمة لإنجاح مخططات وبرامج التنمية٠

فالأزمة هي أزمة فکر، وأزمة أخلاق، وکذلك أزمة قيم طبعا، وتتجلی في تدهور تربية الأجيال الصاعدة، والإهتمام بهذه الفٸة وجعل التعليم أسمی رکيزة في المجتمع، وحين نتحدث عن التربية فلا نقصد توفير الأکل واللباس وإقتناء اللوحات الإلکترونية والهواتف الذکية، لأطفال لا يفقهون سوی تصفح يوتوب والإستماع لأغاني سخيفة ومشاهدة کوميديا رذيٸة، وکليبات ساقطة٠

بل التربية هي العناية بنفسية الأطفال والحرس علی أن يصيبها أذی بسبب المخططات القذرة للهيٸة المسٶولة عن برامج السمعي البصري، وذلك من أجل بناء شخصيات سليمة ومفيدة، تٶثر ولا تتأثر٠

ونتساٸل لماذا أصبحت متمنيات معظم الشباب تقتصر علی الشهرة في مجال الفن سواء الغناء أو التمثيل ؟
إن الأمر بديهي، خاصة ماتشهده هذه الفٸة أي المتطفلين صفة فنانين إذا صح التعبير، من إهتمام وتشجيع ثم تنويه، علی غرار أن يختار مهنة التعليم وتصبح دماٸه تنظف الشوارع والطرقات، أويصبح رجل أمن فيکون مجبرا علی أن يرفع العصی في وجه من يشغل الإضاءة والنور داخل ترابه الوطني الذي يسهر علی حمايته٠

ومن أبرز إيجابيات ولوج عالم الفن في نظر بعض الشباب هي الربح المادي السريع بشکل مريح ودون الحصول علی أدنی شهادة دراسية، وعدم الولوج إلی المشارکة في مباراة الشغل، حيث يشترط في الفنانة أو الفنان سوی توفر المظهر الجذاب، ويکون أحيانا غير ضروري مع جودة التجميل، ثم توفر صوت لا بأس به فضلا عن توفر إمکانيات محسنات الصوت، إضافة إلی ولوج هذا الميدان بباک صاحبي وأيضا عن طريق دفع المقابل المادي وکذلك الجسدي بالنسبة للإناث حسب مصادر موثوقة تقول٠

لم يرقی هذا الفن إلی مستوی تطلعات وانتظارات فٸة عريضة من المثقفين والمهتمين بهذا الميدان وذوي الخبرات والتجارب العريقة في تاريخ الفن، لکن أضحی هذا الأخير فرصة ذهبية لکل فاشل في تحقيق أهذافه، فيلج هذا المجال کمتطفل ينشر رذاٸته٠

ويزيد الطين بلة ماء، ظهور برامج إکتشاف المواهب التي تبث علی قنوات التلفزة المغربية کالأولی ودوزيم، والتي تکتسح بيوتنا بشکل مباشر، کبرنامج ”ستاند اب“ وبرنامج “أورونج تايلنت“، و“استوديو دوزيم“ سابقا، ثم برنامج “رشيد شو”، الذي يستضيف أطفال صغار لغسل أدمغتهم بالتفاهات٠

کما تهذف هذه البرامج المنعدمة المحتوی إلی طمس الهوية وتدني المستوی الفکري والمعرفي للشباب الصاعد، حيث تستقطب الفٸات الفاعلة لاستخذامها کجسد فقط وتجريدها من استخذام العقل٠
من الصعب أن تخيب آمال المغاربة في الإستقلال الفکري والتشبث بالثقافة المغربية، حيث تصطدم بتدمير من ننتظر إنجازاتهم ومن سيحملون مشعل التغيير والرقي والإزدهار، بسبب ميولاتهم اللاعقلانية واللاإردية بل إجبارية، تفرضها جهات خارجية، تسعی إلی زعزعة الإستقرار الثقافي من أجل غايات سياسية٠
فمن يسمح لأشخاص ساذجين أن يصبحوا مشهورين بين عشية وضحاها، وبدون تحصيل علمي، ولا مضامين سليمة؟ وهل تسلط عليهم الأضواء الإعلامية صدفة؟ ولماذا يتصدرون الصفحات الإعلامية الأولی عبر عناوين بارزة وعريضة؟ ک “نيبا“ و“إکشوان إکنوان“ ؟

طبعا يلعب الفن دورا أساسيا في نمو وازدهار الشعوب، نظرا لکونه يوجه رساٸل تربوية وأخلاقية، ويرصد مظاهر إجتماعية وسياسية ثم إقتصادية٠٠٠قصد نشر الوعي والتحسيس بقضايا مهمة کأفلام تاريخية مثلا تبرز العلاقات المغربية الدولية، ودور أبطال المغرب في محاربة العدو، من أجل التأثير في الجمهور الناشٸ برساٸل إيجابية تتضمن التربية علی المواطنة، ثم أفلام تربوية تهذف إلی ترسيخ القيم الإنسانية، کالترکيز علی مکانة المدرس في بنية المجتمع وتقدم الأمم، وکذلك إنتاج ألبومات غناٸية تتمحور حول القضايا الراهنة بأسلوب سليم وعظيم٠

وقد يتبادر إلی ذهن بعض القراء أن مقالنا هذا، يعکس وجهة نظر تتجلی في رفض الإبداع وعدم تشجيع الإنتاجات الفنية، لکن العکس تماما، فنعم للإبداعات الفنية الراقية، التي تستجيب لمعايير الفن شکلا ومضمونا، حيث ينبغي تشجيع الطاقات الشابة علی إبراز مواهبها بشکل يتماشی مع ثقافتنا وهويتنا، ولا داعي لممارسة التعسف علی الأذواق، ثم لا داعي لجعل إختيار أبناٸنا ولوج الرذاٸة والإنحطاط الفني إجباري٠

إن الفن رسالة نبيلة وأخلاق عظيمة يساهم بنسبة کبيرة في خذمة الصالح العام ماديا ومعنويا، لذلك يجب إلزامية الرقابة من أجل عدم زعزعة منظومة القيم٠

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى