كُتّاب وآراء

مسرحية نعيمة زيطان و العنوان العاري “… ديالي “


بقلم الإعلامية و الكاتبة نادية الصبار
بعد و صول الإسلاميين لقبة البرلمان و تربعهم على رأس حكومتين متتاليتين : حكومة بنكيران لسنة 2012 و حكومة العثماني لسنة 2017 … مشهد سياسي يوحي بتنامي مد إسلامي لتجد بالمقابل تناميا بالاتجاه الآخر لتيارات علمانية ليبرالية حد الراديكالية في مجتمع إسلامي ، فبعد الربيع العربي و حركة 20 فبراير التي ولدت في أحضانها و بين ثناياها حركات تعكس بعمق صراع الأفكار . حركة مالي التي قادتها ” إلهام لشكر” المدافعة عن الحريات الفردية و المثليين و العلاقات خارج إطار الزواج و حق الإفطار العلني برمضان ، ” طارق الناجي” و جمعيته التي تعنى بالشواذ و مجلة إلكترونية كذلك كمنبر ينتصر لقضيتهم و يعرف بها ، ” جواد الحامدي ” و موضوع الأقليات الدينية … هذا على المستوى السياسي و الحقوقي ، أما على المستوى الأدبي و الفني فقد عرف هو الآخر قفزات على الواقع من خلال مجموعة من الأسماء و عناوين لكتب و أفلام و مسرحيات و لوحات فنية أكثر جرأة مما جعلها تثير ضجة إعلامية و تثير جدلا بين معارضين و مؤيدين .
فثمة عناوين خادشة للحياء و مشاهد خلاعة على السينما و عروض مسرحية جريئة و لوحات فنية أكثر جرأة لعالم الجنس و التمثلات حوله ، الجنس ؛ التابو الأحمر في بلدان إسلامية ذي ثقافات شرقية . عناوين و مضامين خادشة للحياء و الأخلاق العامة ، فحسب أصحابها تعرية واقع و تشريحه و عرضه لفتح نقاش و موائد مستديرة ، فيكون بوابة للإصلاح .
في السياق ذاته تم منع مجموعة من الأعمال كالفيلم السينمائي ” الزين اللي فيك ” لمخرجه “نبيل عيوش” و اللوحة الفنية “كمسوترا” للفنانة التشكيلية ” خديجة طنانة ” الممنوعة هي الأخرى من العرض لأنها تتكون من أكثر من قطعة لأوضاع للجماع بين المرأة و الرجل ، و مسرحية” … ديالي ” مع نقط حذف ( أي عضوي التناسلي ) للمخرجة المسرحية ” نعيمة زيطان “.
فبعيدا عن المحتوى أو المضمون ؛ تمركزت جل ردود الفعل سواء بالإعلام أو داخل الأوساط الفنية حول المسرحية التي تمت عنونتها بعنوان حافي و عاري من الحشمة ، له دلالة قدحية تتعلق بالجنس و لا يجرؤ أحد على لفظه إلا من كانت له جرأة تفوق الحدود … أما و أن يكون عنوانا لعرض مسرحي و يلفظ أثناء العرض و أمام الجمهور فهو استباحة لشيء غير مباح و تجاوزا لكل القيم و الأعراف المحلية .
قدم العرض المسرحي مسرح ” اكواريوم ” الذي قامت بتأسيسه المخرجة المسرحية نعيمة زيطان الحاصلة على دبلوم المعهد العالي للفن المسرحي ، كاتبة و مخرجة و أستاذة للمسرح . النسوانية نعيمة زيطان ؛ لا تنكر نسوانيتها و لا تخفي ايديولوجيتها و لا انتمائها الفكري و مسرحية “…ديالي ” تتويج لمسيرة امتدت منذ سنة 1994 للآن ، قدمت خلالها العديد من العروض الناجحة بعناوين مختلفة ذات عتبات دالة ، فكانت مسرحية مشاحنات ، تاريخ النسا ، أحمر+ أزرق = بنفسجي ، التلفة بمعنى الضياع ، كلاكاج ، شكون اللي فيه الديفو بمعنى من المخطيء ، قبل الفطور ، طرز الحساب و هو عرض له علاقة بمنظومة الإرث … عروض مختلفة و قوية قدمت بالأحياء الشعبية و الفضاءات المفتوحة و القرى و الأسواق و السجون . تناولت فيها المخرجة ” نعيمة زيطان “جملة من القضايا السياسية و بجرأة غير معهودة لتنتقل لموضوع من العيار الثقيل و عليه خط أحمر : الجنس و الجسد ؛ جسد المرأة و تمثلاتها حول العضو التناسلي و علاقتها بجسدها .
كتب النص المسرحي الكاتبة “نوها سانو” من أم مغربية و أب ياباني ، اقتبست النص من نسخة فرنسية بعنوان “Le monologue du vagin ” ( حوار المهبل ) و هو مستوحى بدوره من النص الأم للكاتبة الأمريكية ” اب اينسلر ” الذي ترجم لأكثر من ستين لغة و تبنته العديد من الفرق المسرحية عبر العالم . فالموضوع لم يكن جديدا بل استهلك ؛ الجديد فيه هو كونه أول عمل يتخطى كل الخطوط الحمراء و يتجاوزها بدافع كسر التابو و لو أني أراه تكسيرا .
فقط كل الجدة على مستوى القدرة على الطرح و لأول مرة عرض مسرحي على خشبة مغربية ، كما تم اعتماد أسلوب الاستمارة عبر ورشات نظمها مسرح اكواريوم …فكانت الحصيلة شهادات مختلفة لأكثر من 150 امرأة ، تختلف الأرقام المدلى بها من مقالة لأخرى إلا أن الرقم أعلاه هو ما صرحت به المخرجة لأحد المنابر الإعلامية . و هنا نتساءل عن جدوى 150 استمارة التي قال عنها المتتبعون أنها لم تتجاوز رقعة الحي الشعبي “التقدم “الذي يوجد به مسرح “اكواريوم ” ؟!
تعرضت المسرحية لانتقادات لادغة من مسرحيين كبار ، فالمسرحي عبد الكريم برشيد الذي لا يرى ما قدمته نعيمة زيطان فنا و يرى فيه جرأة فقط ، ناهيك أن المسرحية مقتبسة و لا تعالج قضية مغربية و يؤكد أن قراءته فنية و لا علاقة لها بالأخلاق ؛ فإحدى مسرحياته تحمل عنوان ” امرؤ القيس في باريس ” من بين شخصياتها عاهرات و مثليين و حضورهم ضمن السياق لا خارجه . أما المسرحي عبد القادر البدوي فذهب لحد وصفها بالمعقدة نفسيا …
كما انتقدتها جرائد محافظة من بينها جريدة ” العلم ” المنبر الخاص بحزب الاستقلال و كان مشاركا آنذاك بالحكومة .
في حين بارك آخرون العمل كمدير مركز دراسات الفرجة ” خالد أمين” و اعتبره استنطاقا للجنسانية الأنثوية من خلال الاستمارات و أسلوب الورشات و أنه يندرج ضمن رهانات إبداعية تواجدت على خشبة المسرح المغربي منذ الستينات مع نبيل لحلو و محمد الكغاط و عبد الحق الزروالي ، و أن المسرحية بمتابة استفزاز للأنماط المجالية السائدة باعتماد لغات صادمة للحواس و تحويل للعري الجسدي إلى عري وجودي و نفسي و اجتماعي .
أما المخرجة نعيمة زيطان فاعتبرت ردود الفعل أمرا طبيعيا في مجتمع لم يعتد النقاش في مثل هذه المواضيع و اننا مجتمع شيزوفريني له خطاب مزدوج بورقتين : الأولى بيضاء و الثانية صفراء نستعملها بحسب الحاجة . أما بطلة المسرحية الممثلة “نورية بنبراهيم: فقالت أن استعمال العضو التناسلي ليس مجانيا بل جاء للتعبير عما تعانيه النساء و أنه عضو كسائر الأعضاء كرمته الأديان بما فيها الدين الإسلامي الذي يصفه بالرحم و الفرج إلا أن الثقافات السائدة دنسته .
إذا ما اعتبرنا الجنس تابو ؛ ذاك الحد و الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه ، فهل قامت زيطان بكسره بسلاسة فنان أم أن كل ما قامت به تكسير للخط الأحمر و خدش للحياء دونما معالجة فنية و درامية ، على اعتبار أن التابوهات مواضيع الساعة و قد لا تعكس الوعي العميق بالأمور و معالجتها من أجل إيجاد حلول لمعضلاتها أو أدناه أن تفتح النقاش و الموائد المستديرة للنقاش وفق مقاربة محلية تراعي بنية المجتمع المغربي …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى