رسالة إلى شباب جرسيف.. تكريسكم لمنطق الغياب يحرمكم حتى من حقكم في في الانتقاد والعتاب
إن تكريس منطق الغياب يحرمكم حتى من حقكم في الانتقاد والعتاب، لأنكم أنتم حاضر هذا الوطن ومستقبله وقراركم يمكن أن يغير كل شيء في معادلة الكبار مهما بلغت قوتهم ونفوذهم.
بقلم / محمد العشوري.
في كل محطة انتخابية يتجدد النقاش حول أسباب تعثر التنمية بالإقليم، وتتكرر الشكاوى ذاتها المرتبطة بضعف فرص الشغل، وهشاشة النسيج الاقتصادي، واستمرار بعض مظاهر الإقصاء والتهميش.
غير أن هذا النقاش غالبا ما يغفل سؤالا جوهريا يتعلق بموقع الشباب أنفسهم داخل معادلة التغيير، ومدى استعدادهم للانتقال من موقع المتفرج والمنتقد إلى موقع الفاعل والمبادر المشارك.
لقد أصبح من السهل تحميل المسؤولية للنخب السياسية التي ظلت تتصدر المشهد لسنوات طويلة (حيث لقاتها خالية)، كما أصبح من المشروع انتقاد محدودية حصيلة جل المنتخبين وعجزهم عن مواكبة انتظارات الساكنة، كما أنه من الصعب في المقابل فهم استمرار عزوف فئات واسعة من الشباب عن الانخراط في العمل المدني، والاجتماعي، والسياسي، وحتى المؤسساتي، رغم أن صناديق الاقتراع تظل الآلية الديمقراطية الأساسية لإحداث التغيير.
فالأجيال الجديدة لم تعد تواجه العراقيل نفسها التي كانت قائمة في مراحل سابقة، خاصة وأن المنظومة الانتخابية قد شهدت خلال السنوات الأخيرة إصلاحات مهمة فتحت المجال أمام مشاركة أوسع للشباب، سواء من خلال تعزيز تمثيليتهم داخل المؤسسات المنتخبة أو عبر توفير إمكانيات أكبر للترشح والمنافسة السياسية.
ومن بين أبرز هذه المستجدات إتاحة الفرصة أمام الشباب لخوض الانتخابات كمستقلين، بعيدا عن الحسابات الضيقة لبعض التنظيمات السياسية، وهو معطى يمنح الكفاءات المحلية وأصحاب المبادرات فرصة حقيقية لطرح مشاريعهم وأفكارهم والدفاع عنها مباشرة أمام المواطنين، دون الحاجة إلى انتظار الضوء الأخضر من هذه الجهة أو تلك.
إن الإقليم اليوم لا يحتاج فقط إلى المزيد من التشخيص والانتقاد، بل يحتاج إلى طاقات جديدة قادرة على تقديم بدائل واقعية ومقاربات مبتكرة للتنمية، فالتغيير لا يصنعه الغياب، ولا يتحقق عبر مقاطعة الشأن العام، بل يمر عبر المشاركة والترافع والتنافس الشريف من داخل المؤسسات التي تتخذ فيها القرارات.
وإذا كانت بعض الوجوه السياسية قد استمرت لسنوات طويلة في مواقع المسؤولية، فإن ذلك لا يعود فقط إلى قوة حضورها، بل أيضا إلى ضعف المنافسة وإحجام عدد كبير من الكفاءات الشابة عن دخول غمار العمل الانتخابي، فالفراغ لا يبقى فارغا، وعندما ينسحب المؤهلون للمساهمة في التدبير المحلي، فإن المجال يظل مفتوحا أمام من يقررون خوض التجربة.
ولا يخفى على أحد من إقليم جرسيف ان هذا الإقليم قد عرف تجربة نوعية لأحد شبابه الذي فرض نفسه كرقم صعب في المعادلات الانتخابية منذ سنة 2011، وذلك نتيجة لاجتهاده ومثابرته وإيمانه بقوة فرصه في النجاح رغم صعوبة المنافسة وشراسة المنافسين، الذين دخلوا لخضو مختلف الاستحقاقات السابقة مسلحين بالنفوذ الاقتصادي، أو المالي، أو القبلي، أو غيرها من وسائل الضغط التي لا تقهر في العادة.
وتزخر مختلف جماعات الإقليم بشباب حاصلين على تكوينات أكاديمية ومهنية مهمة، ويمتلكون خبرات في مجالات متعددة، ويعبرون يوميا عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن وعيهم بقضايا التنمية المحلية، غير أن هذا الوعي يظل ناقص الأثر ما لم يتحول إلى مبادرات عملية ومشاركة مباشرة في صناعة القرار، أو على الأقل خلق نقاش عمومي جاد حول جدوى انتخاب نفس الوجوه التي لم تترك أي أثر حقيقي على تنمية الإقليم بل اكتفت بتنمية جيوبها وأرصدتها البنكية.
إن المرحلة المقبلة تفرض تجاوز ثقافة الانتظار والتذمر، وتعويضها بثقافة المبادرة والمسؤولية، فالتنمية ليست مهمة المنتخبين وحدهم، كما أن السياسة ليست حكرا على فئة بعينها، إنها فضاء مفتوح أمام كل من يمتلك رؤية وإرادة وقدرة على خدمة الصالح العام.
ولعل أكبر رسالة يمكن توجيهها إلى شباب الإقليم اليوم، بما فيهم شباب “جيل زد” هي أن التغيير الذي يطالبون به لن يأتي من خارجهم، وأن مستقبل مناطقهم لن يصنعه الآخرون نيابة عنهم (حيث ما غايحك ليك ظهرك غير ظفرك)، فالانتخابات ليست مجرد موعد عابر، بل فرصة لإفراز نخب جديدة وتجديد الدماء داخل المؤسسات المنتخبة، بما ينسجم مع تطلعات الساكنة إلى تنمية حقيقية وعدالة مجالية وفرص أفضل للأجيال القادمة.
وختاما أقول لهؤلاء الشباب والشابات، إن تكريس منطق الغياب يحرمكم حتى من حقكم في الانتقاد والعتاب، لأنكم أنتم حاضر هذا الوطن ومستقبله وقراركم يمكن أن يغير كل شيء في معادلة الكبار مهما بلغت قوتهم ونفوذهم.




