
نظم فرع الناظور للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يصادف 10 دجنبر من كل سنة، ندوة فكرية تناولت موضوع “الحركات الاحتجاجية: الفضاء العام وحقوق الإنسان في ظل القانون والمشروعية”. وشكلت الندوة مناسبة لطرح أسئلة جوهرية حول واقع الاحتجاجات في المغرب، في ضوء النصوص القانونية وديناميات الشباب والتحولات الرقمية، بمشاركة نخبة من الباحثين والمهتمين بالشأن الحقوقي.
وقد تميز اللقاء بمداخلتين رئيسيتين للدكتور محمد الغلبزوري والدكتور زكرياء حلوي، قدمتا قراءتين متكاملتين لواقع الاحتجاج السلمي، من منظورين قانوني واجتماعي. ففي عرضه حول “النظام القانوني للاحتجاج السلمي بالمغرب ومتطلبات الملاءمة”، أبرز الدكتور الغلبزوري المفارقة بين ما يقرّه الدستور من حقوق، خاصة منذ دستور 2011، وبين القيود التي يفرضها القانون التنظيمي المؤطر للتظاهر والذي يعود إلى سنة 1958 ولم يعرف سوى تعديلات محدودة سنة 2002. وأوضح أن الإطار الحالي يمنح حق تنظيم التظاهرات فقط للأحزاب والنقابات والجمعيات، ويشترط التصريح المسبق، مما يجعل ممارسة هذا الحق خاضعة لسلطة تقديرية قد تفقده جوهره. ودعا إلى مراجعة شاملة تواكب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، وتنسجم مع التزامات المغرب الدولية ومع بروز فاعلين جدد خارج الأطر التقليدية.
ومن جانبه، تناول الدكتور زكرياء حلوي في مداخلته “ديناميات الاحتجاج الشبابي في المغرب بين الشارع والفضاء الرقمي” التحولات العميقة التي مست أشكال التعبير والاحتجاج لدى الشباب. واعتبر أن الاحتجاجات التي شهدها المغرب منذ حركة 20 فبراير تعكس تراكمات اقتصادية واجتماعية، منها التفاوت المجالي، وتدهور القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، وضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وانتشار الفساد وغياب مؤسسات وساطة فعالة. كما أبرز بروز جيل رقمي جديد يستثمر الفضاء الافتراضي للتعبير والتنظيم والضغط، مؤكداً أن هذا الجيل يطرح أسئلة عميقة حول النموذج التنموي، ويطالب بإصلاحات تضمن العدالة الاجتماعية والكرامة وتكافؤ الفرص.
وفي ختام أشغال الندوة، شدد المتدخلون على أن الاحتجاج السلمي يمثل تعبيراً عن وعي مجتمعي ورغبة في التغيير، وليس تهديداً للاستقرار. وتم التأكيد على ضرورة مراجعة قانون التظاهر، وتبسيط مسطرة التصريح، وتعزيز مؤسسات الوساطة، وضمان سلامة الصحفيين، ومحاربة الفساد، وإحداث آليات لدعم التشغيل وربط التعليم بسوق الشغل، إلى جانب تشجيع المشاركة السياسية للشباب وتوفير فضاءات آمنة للتعبير، وربط الاستراتيجيات بالنتائج الملموسة.
وخلصت الندوة إلى أن تجاوز المقاربة الأمنية في التعامل مع الاحتجاجات بات ملحاً، وأن الانتقال إلى مقاربة تشاركية يصغي فيها الفاعلون لصوت الشارع ويتفاعلون مع التحولات الرقمية والاجتماعية يشكل مدخلاً لتعزيز الحقوق والحريات، على اعتبار أن حقوق الإنسان تُقاس بما يُمارس على أرض الواقع.
وفي ختام اللقاء، أُعلن عن إطلاق “المقهى الحقوقي” الذي سيعمل فرع الناظور على تنظيمه بشكل دوري، بهدف تقريب النقاش الحقوقي من المواطن وتبسيطه، وإشراك الشباب والجيل الرقمي في فضاء غير رسمي يشجع الحوار، وخلق جسر تفاعلي مباشر بين الحقوقيين والباحثين والمواطنين. كما يهدف هذا الفضاء إلى تعويض ضعف مؤسسات الوساطة التقليدية، ودعم الديمقراطية التشاركية، وإعادة الاعتبار للفضاء العام باعتباره مجالاً طبيعياً للنقاش السياسي والحقوقي، بما يتيح للمجتمع التعبير بحرية والمساهمة في تقييم السياسات العمومية.





