الإثنين 20 مايو 2019

شتان بين رمضان الأمس ورمضان اليوم

 

محمد الصديق اليعقوبي

في الماضي كان ما إن يهلّ هلال رمضان معلناً قدوم الشهر الكريم، حتى تعم أجواؤه الروحانية، ونسماته العليلة، فتبدأ إحتفالات الصغار الترحيبية، وتعلو أصواتهم المعلنة عن بدء شهر الخير والبركات، ويشتعل الشوق بإنتظار أول أيامه، فلطالما كانوا بإنتظار ليالي رمضان الجميلة، وأطباقه وحلوياته اللذيذة البسيطة ، يجلسون حول مائدة السحور كالأسود متأهبين ومستعدين لصيام يومهم، ليعلنوا إنتصارهم وقوتهم، أما حالهم عند الإفطار، فتراهم كالعصافير الجائعة، متحلقين حول المائدة، بإنتظار الأذان ليصدح صوته في كل صوب وإتجاه.

أما في الجانب الآخر، فترى الكبار وقد كبر معنى رمضان في نفوسهم، وسمى الفؤاد بمعانيه، هم مازالوا ينتظرونه، يخططون لأيامه، ولسهراته العامرة
والمشوقة، بين الأفراد والأحباب، تراهم يقضونها بين الحكايا الممتعة، والتسالي الرائعة، ولا يتناسون أجواءه الساحرة من تلاوة القرآن فيه، وصلاة خاشعة تملأ الجوارح راحة وسكينة، يتقلبون فيها بين ركوع وسجود، ودعوات يرفعونها لله، مشفوعة بما جادت به العيون من دمعات، وما أخفت الأيدي من صدقات، ليعلنوا توبتهم في هذا الشهر الفضيل، تاركين شهوات زائفة، ومغريات تافهة، فهنيئــــاً لمن ظفر وفاز، وربح الجنة في الآخرة.
أما اليوم فترى رمضان قد أتى كما كل شهر، فلم يعد ذلك الموسم الروحاني، الذي يتطهر فيه المسلمون من أدران الذنوب، بل أصبح في زماننا مضماراً لسباق الشهوات، وفعل المنكرات، وإضاعة الأوقات، والتي أفرغت صيام رمضان من معانيه العظيمة، فأصبح الأغلب لا ينالهم من صيامهم إلا الجوع والعطش (إلا من رحم ربي).

ظواهر شتى في عصرنا، تعكر علينا صفو الحياة الرمضانية، وتسلبنا روعة المناجاة في لياليه الزكية، لعلنا نذكر في هذه الكلمات شيئاَ من تلك الظواهر، أولها: تلك العادة القديمة المتجددة، والمتزايدة، والتي طالت آفتها جل بيوت المسلمين، (ظاهرة الأسواق والتسوق) وهنا في هذا المقام حدّث ولا حرج!!
أسواق عامرة، بالناس قبل البضائع، كل يلهث وراء جيبه، لينفق كل ما فيها فيملأ ثلاجته وخزائن بيته، بما لذّ وطاب له من جميع أصناف السلع والمنتجات، ما عرفت ومالم تعرف!! ترى المرأة قبل الرجل والكبير قبل الصغير.
الأدهى والأمر من ذلك كله ظاهرة ظهرت حديثاً، وإنتشرت في مجتمعاتنا إنتشار النار في الهشيم، فلا يكاد يخلو بيت من البيوت إلا وفيه وسيلة من وسائله الحديثة، جعلت جلسات السمر تلوذ بالصمت، فكل فرد مشغول بهاتفه، شيباً وشبّاناً، صغاراً وأطفالاً، ساعات تلو الساعات، لا نشعر بها، فمن ذلك الفيديو المضحك إلى تلك الصورة المحزنة، وفي رمضان يزيد الطين بلة، فترى صور الطبخ وقد ملأت تلك المواقع، ومن مجاملة إلى أخرى، ويدّعون أنها وسائل التواصل!! بل هي قد تفننت بالقطيعة!! وتفننت في سلب الوقت، وتشتت الأسر، فهي لص محترف، تأخذ منا أغلى الأوقات، وأعز الأفراد دون أن نشعر بذلك!
بينما هناك قلة قليلة، تراهم يتنافسون في الطاعات والنجاة من الدنيا وأمواجها، فالأصل في عبادة الصوم، تقرب لله، وتذلل في عبادته، فقد خصهم الله سبحانه وتعالى بأجر عظيم، لم يرد في النصوص الشرعية بشكل واضح، كما العبادات الأخرى، فالصوم عبادة بين العبد وربه، لا رياء فيها ولا نفاق، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل في الحديث القدسي: “الصومُ لي وأنا أَجزي به، (صحيح البخاري).

رمضان قد جاء، فافتح له قلبك، قبل كل شيء، ابدأ معه حياة جديدة، وليكن ميلاد جديد لك، وحدد هدفك في هذا الشهر، ولا تستسلم لهوى نفسك، ولا تنتظر أن ينتهي رمضان، وتتحسر أشد حسرة على ضياعه، وذهابه دون إستغلاله، فلا أنت قضيته بما يفيد دينك ولا دنياك، وتتفاجأ بانقضائه كالبرق، وتؤجل توبتك لرمضان القادم، عسى أن تصحح الاخطاءَ!

شاهد أيضاً

مسجد البيت العتيق بمرتيل في خبر كان ومن المسؤول؟؟

  فكري ولدعلي ألقت ساكنة مرتيل اللوم على مندوبية الأوقاف حول إهمال مسجد البيت العتيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اكيد 24