
حفيظة لبياض.
شاركت الفنانة ليلى بوطاهر، ابنة جرسيف، في مسابقة البورتريه التي نظّمتها منصة Art Vista Global (رؤية الفن العالمية)، بتاريخ 12 أبريل الجاري، في تجربة فنية نوعية تُوجت بحصولها على جائزة النجم الذهبي ضمن فعاليات مسابقة “ليلة النجوم”، وهو تتويج يعكس نضج تجربتها وقدرتها على توظيف الفن كوسيط للتعبير الإنساني العميق.
هذا التتويج لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة اشتغال فني واع اشتبك فيه البعد الجمالي مع الرؤية الفكرية، حيث استلهمت بوطاهر عملها من اللوحة الشهيرة للفنان الهولندي فنسنت فان غوخ “ليلة النجوم”، غير أنها لم تقف عند حدود الاستلهام الشكلي، بل أعادت تفكيك عناصر اللوحة وإعادة تركيبها ضمن تصور بصري جديد، يمنحها استقلاليتها ويحمّلها دلالات معاصرة.
ففي لوحتها، لا تبدو السماء مجرد خلفية جمالية، بل تتحول إلى فضاء رمزي متحرك، يعكس اضطرابا داخليا وأسئلة وجودية عميقة.
أما النجوم، فقد خرجت من نمطها الكلاسيكي لتغدو علامات بصرية مشحونة بالمعنى، في إشارة إلى تجارب إنسانية متباينة، ومن خلال هذا البناء التشكيلي، اختارت الفنانة أن تفتح نقاشا بصريا حول قضية سرطان الثدي لدى النساء، مقدّمة معالجة فنية تزاوج بين الألم كواقع، والأمل كأفق ممكن.
وتكمن قوة العمل في قدرته على تجاوز الطرح المباشر، إذ لا تقدم اللوحة خطابا توثيقيا أو توعويا تقليديا، بل تنسج سردا بصريًا يتيح للمتلقي تأويل التجربة والانخراط فيها وجدانيًا. فالألوان، والحركة، وتوزيع الكتل، كلها عناصر تتكامل لتشكّل خطابا فنيا يلامس العمق الإنساني، ويحوّل المعاناة إلى طاقة تعبيرية قادرة على بث الأمل.
كما تُوّجت بوطاهر في المسابقة ذاتها بلقب أنجح رسم في فئة البورتريه، وهو ما يعزز موقعها ضمن الأصوات الفنية الصاعدة التي تراهن على التجديد والاشتغال على القضايا المجتمعية من داخل الحقل التشكيلي.
وسجلت بوطاهر حضورًا وازنًا خلال شهر مارس الماضي، تزامنًا مع اليوم العالمي للمرأة، عبر مشاركتها في المعرض الدولي للفن التشكيلي بمدينة الصويرة، تحت عنوان “رحلتي مع المرأة في محراب الفن”، وهو معرض حمل بعدًا تكريميًا لنساء استطعن شق طريقهن رغم الإكراهات، حيث شكّل هذا الفضاء مناسبة للتفاعل بين تجارب فنية متعددة، مغربية ودولية، ما أتاح للفنانة توسيع أفق تجربتها والانفتاح على رؤى مختلفة.
وتكشف تجربة ليلى بوطاهر، من خلال تعدد مشاركاتها في معارض محلية وجهوية ووطنية، عن وعي فني يتجاوز البعد التقني نحو بناء مشروع إبداعي قائم على مساءلة الواقع الاجتماعي والإنساني. فهي لا تكتفي بإنتاج أعمال جمالية، بل تسعى إلى جعل لوحاتها منصات للتفكير والتأمل، خاصة في ما يتعلق بقضايا المرأة.
وفي هذا السياق، تبرز بوطاهر كنموذج للمرأة المبدعة التي استطاعت أن ترسم لنفسها مسارا متماسكا في بيئة مليئة بالتحديات، معتمدة على المثابرة والاشتغال المستمر على تطوير أدواتها التعبيرية، كما تحرص من خلال أعمالها على تمرير رسائل عميقة، تتمحور حول الأمل، التحدي، الصبر والقوة، في تجسيد واضح لفن لا ينفصل عن محيطه، بل ينخرط في قضاياه ويعيد طرحها بلغة بصرية مؤثرة.





