“اللغة والسلطة” كتاب جديد يعالج تدبير التعدد اللغوي على ضوء حصيلة مسار دسترة اللغة الأمازيغية بالمغرب.
د.سعيد عدي.
في خضم النقاش الدائر حول لغات التدريس بالمغرب،وما أثاره إدخال مفردات عامية ضمن المناهج الدراسية من أسئلة حول اختيار محتويات هذه المناهج وضبط حاجيات الناشئة منها والاستراتيجيات التي تحاول الجهات الوصية الانتصار لها وطبيعة خلفياتها؛صدر حديثا كتاب “اللغة والسلطة.. في مسألة تدبير التعدد اللغوي الأمازيغي بالمغرب” للباحث المغربي لحسن أوزغربلت في سياق المطلب اللغوي الثقافي الأمازيغي مع ارتباط بالسيرورة التاريخية لهذا الرافد،وميز فيه الباحث بين محطتين أساسيتين، الأولى سنة 1967م عند تأسيس أول جمعية تعنى بالقضايا الثقافية (جمعية البحث والتبادل الثقافي). والثانية مع التعديل الدستوري لسنة 2011محيث أقرت المادة 5 منه بكون اللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية. وعرج الكاتب في الإطار نفسه على خطاب العاهل المغربي بأجدير سنة 2001م الذي رسم خارطة الطريق نحو تعزيز الحقوق الثقافية واللغويةفي شقها الأمازيغي وما تلاه من انفراج عدده الكاتب في إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وبداية إدماج هذه اللغة في المنظومة التعليمية، والمنظومة الإعلامية عبر مرحلتين؛ تميزت الأولى بإدراج نشرة اللهجات والثانية بإنشاء قناة “تمزيغت” سنة 2010م.
أمام هذا التراكم يقر صاحب الكتاب أن مسألة تدبير التنوع اللغوي هي إحدى أهم القضايا التي تحتاج إلى دقة أكبر ووضوح تام “فإذا اعتبرنا ما سلف جملة مكتسبات حققها المطلب اللغوي-الثقافي الأمازيغي، يضاف إليه ما تم مراكمته من الأعمال الأكاديمية في مجالات معرفية مختلفة كالأدب والتراث والفن والتدوين والترجمة في إطار المعهد وخارجه. فقد يجوز لنا اليوم التحلي بتفاؤل (نسبي) بخصوص مستقبل الأمازيغية، لا يكاد يعيقه غير السؤال اللغوي في شقه التعددي. ذلك أن مسألة تدبير التعدد اللغوي الأمازيغي يعد مجالا لازال يلفه الغموض، كما يتطلب نقاشا موسعا هادئا علميا رصينا”.
وأوضح الكاتب أن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية هو الهيئة الرسمية الوحيدة بطبعها الاستشاري الموكول لها مهمة “تهييء ومعيرة standardisation et aménagement”هذه اللغة، ولا خلاف عن كون باحثي المؤسسة قد أسهموا في تدوين جزء هام من الارث الأدبي للغة “أُنْهكَتْ” بفعل غيابها من محور التداول المؤسساتي. وإلى جانب ذلك فقد عملت هذه المؤسسة على الاشتغال على محور المعيرة والتهيئ منذ انطلاق عملها. بيد أن هذه المسألة شكلت موضوع نقاش أساسي هام، طرحت إزاءه الكثير من الأسئلة والفرضيات، هذه الأسئلة تمحورت حول مدى نجاعة الطرح الذي تقود إليه استراتيجية المعهد اللغوية التي تروم معيرة أنساق اللغة الأمازيغية الجامعة لما اعتبر تفرعات لسنية (تريفيت- تمزيغت- تشلحيت) للّغة المنشودة أو المسماة في أدبيات المعهد باللغة الأمازيغية المعيارية، وقد تم حتى الآنتهييء وتنميط الحرف الأمازيغي “تيفيناغ” وبات يجيب على إشكال التدوين بالأمازيغية المعيارية. كما تم تقعيد النحو، على أمل توحيد معجم اللغة الأمازيغية المتجاوزة لخطر “التنوع والتعدد” الذي وسم الأمازيغية منذ أزل لا نعرفه.
إن مسألة توحيد المعجم، لا ترادف على وجه التحديد سوى دمج اللغات الأمازيغية المتداولة والمشهود لها بالحيوية والاستقلالية في قالب لغوي واحد هو اللغة المعيارية (المنمطة)، وهي بذلك ظلت محفزة للسؤال والنقد.
إذا كانت عملية توحيد الأمازيغية بشكل تام أو على الأقل في الحدود الذي تراه الدوائر المسؤولة مرضيا، لاتزال تتطلب وقتا غير محدد، بحسب باحثي المعهد أنفسهم، فإن المعيرة أخذت منحا واقعيا بفعل تهييئ الخط والنحو، وجانب هام من المعجم؛فإن الكاتب يرى أن معيرة الأمازيغية –حسب منطق توحيد ال”متنوعات” اللغوية الأمازيغيةقد يصطدم بالمنظور التاريخي الذي يعتبرها لغات أمازيغية مستقلة.
يثير الكتاب عدة إشكالات وتساؤلات من جملتها مدى استحضار قوانين التطور اللغوي والتاريخي، الذي يفرض على اللغات مستويات متعددة من التحول؟
هل بإمكان البشر وحده، وبمعزل عن سياقات تداول اللغة؛ أن يمنح للمصطلح معنى؟ أليست الدلالة مكتسبة ومصدرها تفاعلات عناصر المجتمع؟ يتساءل الباحث. وهل تعتبر الألسن الأمازيغية المتداولة في المغرب من خلال التجمعات اللغوية الثلاثة الكبرى؛ التجمع الريفي في الشمال، والتجمع الأطلسي، والتجمع الجنوبي السوسي، متنوعات لسنية أو تفرعات لهجية تابعة للغة أمازيغية جامعة (ليس بالمعنى التجريدي)، أم إنها لغات مستقلة قائمة بذاتها وتتمتع بنفس الخصائص التي تحوزها اللغات الطبيعية الأخرى؟ وما مدى وجود خيارات أكثر نجاعة من “التأحيد” اللغوي؟
لمعالجة هذه الإشكالات اعتمد الكاتب تقسيما ثلاثيا للفصول المؤلفة لدراسته؛ عنون الأول ب “الأمازيغية والتخطيط اللغوي القسري بالمغرب” توقف من خلاله على بعض المفاهيم الأساسية في هذه الدراسة وهي “السياسة اللغوية” و”التخطيط اللغوي”، من أجل توضيح الحدود الدقيقة الفاصلة بينهما، والعلاقة التي تربطهما ببعضهما.
أما الفصل الثاني فقد عنونه ب “المؤسسة الرسمية هوس الفصاحة وإنكار الواقع..” ساءل من خلاله مستوى تعامل الجهات المعنية في السلطة السياسية مع الأمازيغية كلغة، أو ما أسماه: “الإرادة السياسية” في تدبير ملف اللغة الأمازيغية.
فيما عنون الفصل الثالث والأخير ب “التطور اللغوي ومفارقة توحيد الأمازيغية” وحاول من خلاله توضيح بعض العراقيل التي تعترض البحث في التطور اللغوي مستعينا بأدلة علمية، وبراهين واقعية. متسائلا: “كيف جاز لنا بعد أزمنة طويلة تطورت فيها الأمازيغية لتتمثل اليوم في شكل لغات مستقلة قائمة الذات، يصعب معها التفاهم المتبادل بين مجموعاتها الثلاثة الكبرى، أن نبحث عن بديل لهاته اللغات خارج تحققاتها الفعلية البراغماتية؟ علما أننا نناقش وضع المغرب وحده، ناهيك عن وضع بلاد تامزغا الكبرى!





