رياضةمجتمع

إبراهيم دياز… حين يعود الحنين متأخرًا لكنه لا يضل الطريق

حفيظة لبياض.

من ميلانو حيث البدايات الثانية، إلى مدريد حيث الأحلام المؤجلة، عاد إبراهيم دياز لا كلاعب عابر في تشكيلات الإعارة، بل كأحد أولئك الذين يصنعون الفرق من ظلال التردد والانتظار.

تألق موسمه مع الميلان لم يكن ضجيجًا إعلاميًا بقدر ما كان تأكيدًا أن للاعب ذا ملامح هادئة، ضجيجًا صامتًا في قدميه. سجل، راوغ، صنع الفارق، ثم أعاد الكرة. لم يكن غريبًا أن تطلب إدارة الروسونيري تمديد مقامه لسنتين إضافيتين، مع إمكانية الشراء. لكن مدريد – التي لا تنام على موهبة – قررت أن تسترد ما ظنته يومًا فائضًا في التشكيلة.

عاد دياز إلى قلعة الميرنغي، ليس كما ذهب. عاد بوجه جديد، وثقة تُشبه الوعود التي طالما حلم بها حين كان مراهقًا يركض خلف لحظة إثبات. كارلو أنشيلوتي لم يلبث كثيرًا حتى وضعه بين أدواته الثمينة. مباراة تلو أخرى، بدأ اسمه يزاحم أسماء مضيئة في تشكيلة تضم النخبة: بيلينغهام، فينيسيوس، رودريغو… لكنه لم يتوارَ، بل ظهر. وصار.

لكن للعب كرة القدم وجه واحد، أما الانتماء، فله وجوه كثيرة.

إبراهيم الذي وُلد في إسبانيا، ونشأ بين مدارسها، لم يتردد يومًا في تلبية نداء لاروخا في فئاتها السنية. فإسبانيا وطن الأم، ومكان المولد، واللغة، والمدرسة، والملعب. كانت المسألة محسومة، حتى حين لم تكن كذلك.

ثم تغير شيء ما… حين استدعاه لويس دي لا فوينتي لمعسكر المنتخب الأول، رفض. قال إنه في طور التفكير. لم يكن الجواب يحتاج إلى كثير من التأويل. كان ذلك إعلانًا ضمنيًا أن جذورًا أخرى بدأت تتحرك في داخله، أن شيئًا اسمه المغرب بدأ يخرج من خانة الذكرى إلى دائرة القرار.

الجامعة الملكية المغربية لم تكتف بالإشارات، تحركت، تواصلت، التقت به وبعائلته، فتحت الأبواب، ومدّت اليد. وفي زيارة إلى المغرب رفقة والديه وإخوته، لم يكن اللاعب يزور بلادًا غريبة، بل وطناً بدا له مألوفًا رغم الغياب.

بدأت الإجراءات القانونية لتغيير الجنسية الرياضية لدى الفيفا، ومعها تسارعت التوقعات والأسئلة. سُئل دياز قبل أسابيع عن مستقبله الدولي، فابتسم كمن يعرف الجواب ويخفيه، وقال: “أنا الآن في ريال مدريد”. ابتسامة فيها من التمويه أكثر مما فيها من التوضيح، لكنها تقول كل شيء لمن يفهم.

إبراهيم دياز… هو ذاك النوع من اللاعبين الذين لا يسيرون على خط مستقيم. يراوغون حتى في اختياراتهم، ويفاجئون في لحظة القرار. قد لا يكون الأسرع، ولا الأكثر شهرة، لكنه يملك تلك الشرارة التي لا تُدرّب، وذاك العمق الذي لا تصنعه الصحف.

الآن، حين ينظر إليه المغاربة، لا يسألونه عن عدد أهدافه، بل عن الموعد. متى يلتحق؟ متى يُلبس الموهبة قميصًا يحمل لون الوطن؟

وفي الانتظار، يواصل دياز رحلته داخل الملعب، وبين الهويات.

الآن، وبعد أن أنهى رحلته في التردد، وحسم خيارات القلب والعقل، قرر إبراهيم دياز أن يكون مغربيًا بالفعل لا فقط في الأصل. قرار بدا في ظاهره مجازفة، لكنه سرعان ما تحوّل إلى نقطة تحوّل في مسيرته. فقد كان اختياره للعب مع المنتخب المغربي اختيارًا موفقًا… له وللمغرب معًا.

منذ أول مباراة، لم يحتج دياز إلى وقت طويل كي يُقنع من كان في شك. تألق، سجل، صنع، وفتح بابًا جديدًا من المجد الشخصي والجماعي. بات قطعة لا غنى عنها في منظومة وليد الركراكي، لاعبًا يحفظ إيقاع اللقاء ويتقن العزف على مساحات الخصم.

هو اليوم أحد صناع ملحمة الأسود في كأس الأمم الإفريقية، لاعب لا يمرّ دون أن يترك بصمته، لا يلعب إلا ويضيء. قاد المنتخب المغربي إلى النهائي، وها هو يقف على بعد هدف واحد فقط من معادلة رقم أسطورة المغرب أحمد فرس في سجل الهدافين… إنها ليست مجرد أرقام، بل إشارات إلى أن القادم أكبر.

اختار دياز المغرب، فلم يخسر شيئًا، وربح كل شيء. وربح معه المغاربة لاعبًا يُشبه طموحهم: هادئ، واثق، قاتل بهدوء… ويعرف جيدًا من أين تُصنع البطولات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى