التقنيات الذكية وتدهور التنمية


حفيظة لبياض
إن الثورة العلمية والتكنولوجية والتطورات التقنية الحديثة التي شهدها العالم بأسره، بصرف النظر عن مصدرها وأسباب ظهورها، أصبحت مواكبتها ركيزة أساسية في حياة الأفراد سواء بالعالم الحضري أو القروي، حيث تجاوزت الشعوب الحياة البدائية مند عصور وكدلك الأدوات الكلاسيكية، فأين تكمن منفعة المجتمع من انفتاحه على التقنيات الحديثة؟ وكيف تتحول هده المنفعة إلى ضرر؟ وما علاقة التأثير السلبي لهذه التقنيات والوسائل على المجتمع بتدهور أوضاع البلاد؟
مما لا ريب فيه أن التعليم أهم قطاع فهو مصدر الرقي والإزدهار،ومع بروز الحداثة أصبحت المدرسة تقوم على تقنيات ذكية في العمليات التعلمية والتربوية حيث أصبح استخدام التكنولوجيا مسألة حتمية، يجب على الأطر التعليمية إتقانها ثم المتمدرسين كدلك، كما أن البحث العلمي يتطلب استخدام الوسائل الذكية في جميع مراحله سواء في الجانب النظري أو التطبيقي، حيث تسهل الاكتشافات فمثلا حينما نقوم ببحث ميداني عن اللقى الأثرية نعتمد على الاجهزة والوسائل الحديثة، ونفس السيئ في مجال الطب وكدلك التجارة والصناعة.
اصبح محو الامية لا يقتصر على القراءة والكتابة بل شمل ضرورة الانفتاح على المعلوميات واستخدام الادوات الذكية، فهل التوقف عن اعتمادها ومقاطعتها ستوقف الحياة؟ هناك من يجيب بلا ويعلل إجابته بوضع مقارنة بين الحياة في التاريخ القديم والتاريخ الراهن لكن تستحيل المقارنة بين الاجيال القديمة وأجيال العصر الحديث، هدا إد لم نتحدث عن الفوارق الاجتماعية واختلاف العقليات، والبنيات الثقافية والدهنية للشعوب، إضافة الى السياسة العالمية التي فرضتها مند ظهور النظام الجديد الدي يهدف الى جعل العالم كوكب واحد او ما يطلق عليه بالعولمة أي توحيد دول العالم في نمط اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي واحد، وهناك من يقر بإلزامية التكنولوجيا نظرا لايجابياتها المتعددة حيث جعلت الحياة بسيطة وساعدت على الاكتشاف والاختراع في شتى الميادين كما أنها تساهم في التكوين والتنمية الذاتية والدهنية، وتطوير الفكر، من خلال ربح الوقت وتقصير المسافات وتحديد المواقع والأماكن وبالتالي تسهيل ظروف السفر والتنقل وكدلك الاتصال والتواصل، مما يؤدي إلى التقدم والإزهار
ولجميع الاشياء إيجابياتها وسلبياتها والشيء اذا زاد عن حده انقلب لضده، فرغم تعدد مزايا ومحاسن التقنيات الحديثة هناك مساوئ ايضا، وتتمثل هده الاخيرة في زعزعة الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية نتيجة غياب التواصل المباشر والدي أصبح يقتصر فقط على الهاتف وشبكات الانترنيت، وعجز الانسان عن التفكير والابداع نظرا لحصوله على المعلومات الجاهزة من الشبكة العنكبوتية، بدون ادراك خطئها من صحتها، كما ان البطالة عرفت انتشاء كبيرا حيث أصبحت المصانع تعتد الآلات والتقنيات السريعة في انتاجاتها واصبحت لا تتطلب اليد العاملة، إضافة إلى العنف الاسري الدي تخلقه وسائل الاعلام والاشهار والنتاجات التلفزية كالأفلام الكرتونية وافلام الرعب وبرامج الفكاهة التي لا تلائم الاجيال الصاعدة، وقد تعددت الامراض النفسية اثر الادمان عن الانترنيت الدي يسبب العزلة والاكتئاب والتوتر ثم ضعف القدرات العقلية.
من الطبيعي ان البيئة التي يعيش فيها الانسان هي التي تحدد طبيعة علاقته مع الوسائل الذكية، من خلال التربية التي يتلقاها والتي تفرض عليه كيفية الاستفادة منها والابتعاد عن كل ما يؤدي الى الضرر، ودلك عن طريق تخصيص وقت محدد للأطفال من أجل مشاهدة التلفاز، تعلم الاجتهاد في تحضير البحوث والتمارين والاعتماد على النفس والاستئناس بالانترنيت فقط وليس جعله مصدر كل شيء، ملا اوقات الفراغ، الحث على الذهاب الى المكتبات للمطالعة ثم ممارسة الرياضة…هده فقط بعض المقترحات فهناك عدة حلول ينصح بها علماء وباحثين في المجال.
لم اكتب هدا المقال من اجل ان اتحدث عن سلبيات وايجابيات الانترنيت فقط كما سيتوقع بعض القراء لأنها امور مألوفة والجميع يدركها، لكن هل يا ترى يتم اتخادها بعين الاعتبار؟ لست هنا من اجل الاجابة عن هدا التساؤل بنعم او لا، بل من اجل البحث عن ايجاد روابط بين ما يشهده العالم عامة والمغرب خاصة فهو واضح من المستفيد ومن المتضرر من الحداثة، لكن الاهم هو التفكير في الطرق من اجل جعل بلادنا مستفيدة فقط،ودلك تحقيق التنمية التي يرغب فيها الجميع، وهدا لم يتحقق طبعا الا بالوعي بمسؤولياتنا وواجباتنا وحماية وطننا ثم السعي لخدمة الصالح العام عن طريق تربية أبنائنا وخلق مجتمع مترابط ومتماسك، لكي لا نجد نساء ورجال المستقبل وهم يحملون على عاتقهم مسؤوليات كبرى يجلسون على كراسي فاخرة في البرلمان نائمون أو يدردشون على الهواتف الذكية، كما نتجنب وجود أطباء المستقبل يبحثون عن وصفات علاج المريض في الشبكة العنكبوتية، كدلك المهندسين الدين يقومون بوضع تصاميم البنايات عبر البرامج الالكترونية، وكدلك الأساتذة الجامعيون الدين ينقلون المحاضرات من الانترنيت لإلقائها على طلابهم، حيث يبقى العقل صوري يستهلك ولا ينتج، مما يؤدي الى التدمير والخراب والبحث عن من المسؤول؟
إن تظافر جهود المجتمع والحكومة يجعل التقنيات الذكية مجرد وسائل لتحقيق غايات سليمة تخدم الصالح العام وتؤدي الى آثار سليمة على المجتمع منه تساهم في ازدهار و رخاء البلاد.




