الوزير عز الدين الميداوي ينهض بالجامعة المغربية..

ربيع كمفودي.
قد يتساءل البعض، لماذا تشكل “الخريطة الجامعية الجديدة” قفزة استراتيجية نحو الإنصاف والجودة؟ نقدم لكم الجواب التالي،
تشهد منظومة التعليم العالي في المغرب تحولا بنيويا غير مسبوق؛ فمشروع “مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية”، الذي يقود تفاصيله وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، لا يمثل مجرد إجراء تقني لتفريغ قاعات المحاضرات، بل يعد هندسة جيو-أكاديمية طموحة تروم الانتقال بالجامعة المغربية من نموذج “المركزية المفرطة والتكدس البشري” إلى نموذج “الجامعات الترابية الذكية والقريبة من النظم الاقتصادية الجهوية”.
ورغم أن الرأي الاستشاري رقم 20/2026 الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وما تلاه من قراءات إعلامية حذرة، حيث وضعا هذا المشروع تحت مشهر “التوجس البنيوي” وطالبا برؤية أكثر شمولية، إلا أن التدقيق العلمي والواقعي لمعطيات هذا الورش يثبت بالدليل والبرهان أن المقاربة الحكومية الحالية تمثل “مفتاح الحل الاستباقي” لأعقد المشاكل التي عانت منها الجامعة طيلة عقود.
من “الجامعات الديناصورية” إلى الحكامة الرشيقة
إن قرار الانتقال من 12 جامعة عمومية حالية إلى 27 جامعة مستقبلا، عبر تقسيم المؤسسات الكبرى، يمثل عمقا علمياً راسخاً في “إدارة التغيير الحركي”. لنأخذ جامعة “ابن زهر” بأكادير كنموذج، فهذه المؤسسة كانت تغطي وحدها حوالي 55% من التراب الوطني وتستقبل ما يزيد عن 170 ألف طالب. علمياً وإدارياً، يستحيل تطبيق معايير الجودة الأكاديمية والمراقبة البيداغوجية الصارمة في ظل هذا التدفق الهائل.
تحويل هذه الجامعة الاستثنائية في اتساعها إلى خمس جامعات مستقلة وجهوية (الداخلة، العيون، كلميم، أيت ملول، وأكادير)، إلى جانب تقسيم جامعات أخرى كعبد المالك السعدي والحسن الثاني ومحمد الخامس، ليس تقسيما جغرافيا عشوائيا؛ بل هو تنزيل لنموذج “الحكامة الرشيقة” (Agile Governance). فالجامعات ذات الحجم المتوسط (في حدود 40 ألف طالب) تمتلك قدرة أعلى بكثير على المرونة التنظيمية، وسرعة اتخاذ القرار، وملاءمة الشواهد مع محيطها السوسيو-اقتصادي.
تفنيد منطق “التأجيل بدعوى الشمولية”:
لقد اعتبرت التقارير النقدية أن مراجعة الخريطة الجامعية لا تعد إصلاحااشاملا ما لم تدمج ضمن رؤية استراتيجية أوسع تعالج كل الاختلالات الهيكلية. غير أن هذا المنطق المنبثق من القراءة الحذرة يغفل قاعدة علمية أساسية في تدبير السياسات العمومية، وهي: “التدرج الجريء والبدء بالأولويات ذات الأثر الفوري”
إن مشكلة الاكتظاظ وغياب العدالة المجالية لم تعد تحتمل ترف الانتظار حتى تكتمل كافة الأوراش الأخرى؛ فإحداث 26 مؤسسة جامعية جديدة كفوج أول، يليه فوج ثانٍ بـ23 مؤسسة، هو استجابة مستعجلة وحاسمة لحق الطالب المغربي في تلمس “الإنصاف المجالي”. هذا الإجراء يوفر البنية التحتية الصلبة التي ستبنى عليها لاحقاً باقي تفاصيل الإصلاح البيداغوجي والبحث العلمي. بدون جدران ومؤسسات جهوية قريبة، تظل النظريات البيداغوجية حبراً على ورق.
الجيل الجديد:
إن المزاوجة بين العدالة ومستقبل المهن خلافا لما يروج له البعض من أن هذا المشروع يقتصر على مقاربة كمية، فإن جوهر المخطط المديري للتعليم العالي يعتمد على مقاربة نوعية ترتكز على “الجيل الجديد من المؤسسات الجامعية”. هذه المؤسسات لن تكرر استنساخ كليات الآداب والعلوم التقليدية بشكلها القديم، بل تأتي لتقدم عروضاً تكوينية مستجابة للتحولات التكنولوجية المتسارعة (الذكاء الاصطناعي، الطاقات المتجددة، المهن الدولية، واللوجستيك الجهوي) ومتطلبات التنمية لكل تراب.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الورش الحكومي الممتد من 2026 إلى 2028 تميز بالذكاء التدبيري من خلال إرفاق نصوص الحكامة بإجراءات حيوية داعمة تخص الجانب الاجتماعي للطلبة (كالسكن الجامعي، النقل، والإطعام والتمويل)، مما يبدد المخاوف من ولادة جامعات “مشوهة” أو عاجزة عن تقديم الخدمات الموازية للمرتفقين.
نحو مغرب الجامعات المنتجة:
إن مشروع الخريطة الجامعية الجديدة يستند إلى مرجعيات دستورية صلبة وإلى المادة 12 من القانون الإطار 51.17. والتعاطي الإيجابي للوزارة مع ملاحظات المجلس الأعلى للتربية والتكوين يؤكد وجود دينامية تشاركية واعية، لكنها دينامية ترفض الجمود وتقاوم تعطيل عجلة التنمية.
الجامعة المغربية اليوم لا تحتاج إلى تقارير تشخيصية مكررة، بل تحتاج إلى مبادرات تنفيذية جريئة وواقعية. وإعادة هندسة الخريطة الجامعية هي الخطوة الشجاعة والصحيحة التي ستجعل من التعليم العالي رافعة حقيقية للجهوية المتقدمة والمساواة بين أبناء الوطن، مهما ابتعدت جغرافيتهم عن المركز.




