الإثنين 14 أكتوبر 2019

بقلم الإعلامية و الكاتبة نادية الصبار لماذا أكتب !؟

نادية الصبار

كثيرا ما شغل بالي سؤال بسيط في تركيبته مركب في بنيته و متشعبة دلالاته ؛ ” لماذا أكتب ؟!” … سؤال بات مؤرقا بل حائلا بيني و بين الكتابة ، يسبق حروفي المبعثرة منها و المرتبة ، يتسلل فيتربع على ورقتي البيضاء و يكتسح أكبر مساحة و يطرح نفسه للسؤال و يطلب التحليل و المناقشة ، فالجواب عنه أو محاولة الجواب ؛ لا محالة باعث لما أكتب و مبرر شرعي له . لماذا أكتب !؟ سؤال محير فعلا و الجواب عنه محير أكثر و الخوض فيه مجازفة و ركوب مركب بلا مرفأ . فأحاول تجاوزه عمدا حتى لا تصدأ الجعبة و ينضب المداد . فثمة أجوبة تتراءى لي دون أن تظهر ، و كأنها رؤى ليل تحتاج لمن يفسر الأحلام و يحيل الرائي لتأويل رؤياه … لعلي أكتب للتنفيس ؛ فكثر هم يكتبون لأن الكتابة ملاذهم الأول و الأخير و الملجأ الذي يقصدونه للهروب من واقع مليء بالمتناقضات لعالم المثل و الممكنات … فالكتابة رئتي الثانية التي أطرح من خلالها ثاني “اوكسيد الكاربون” الذي يفسد الحياة ، بل إنه “الادرينالين” الذي يساعدني على البقاء و الاستمرار و التعايش مع كل هذه المتناقضات . و قد أكتب لألبي رغبة جامحة في الكتابة لازمتني منذ الصبا ، فما إن تمكنت من لغة الضاد حتى صارت حروف الهجاء من ألف إلى ياء تتراقص بدواخلي فتثير الصخب ، تشاكسني و تعاكسني و تلاعبني على بياض الورق ، تبعثر هدوئي ، توقظني ، تجبرني على عصيان العالم و من حولي طاعة لإلهة الحرف و ربة الإلهام ، تجبرني على أن أتبرم من كل شيء من أجل هذا الشيء . و حينها أكتب ؛ و برغم المرارة و الأرق قد أسعد … و سرعان ما تتحول الرغبة في إسعاد الذات الكاتبة لإسعاد ذوات أخرى ، و هنا يصير الكاتب كالارجوز الحاوي الذي يلعب على الحبلين محاولا أن يكتب النص مرتين مرة ليخلص لذاته و مرات ليخلص لذات المتلقي … وهنا تجد الذات الكاتبة نفسها بالمحك ، فهل تنتصر لذاتها أم للآخر ؟! و لو أني أرى أنه ما من إخلاص للآخر إلا عبر الإخلاص للذات ، لأن الكتابة بالأصل سفر جواني ؛ و بقدر الشفافية في نقل تفاصيل هذا السفر بقدر نجاح العمل ووصوله لقلوب المتتبعين . و مادامت الكتابة انتصارا للأنا و الذات فإنها قد تزيغ إذا ما استحوذ على صاحبها غرور الإحساس بصفة الكاتب ، فتصير الكتابة لصيقة بصاحبها في نظر من يكتب و في نظر الآخرين . فتصطاده شباك الشهرة قل حجمها أو صغر ؛ إما أن تخلص للذات الكاتبة فلا تكتب إلا إن حضر الإلهام و ربة الإلهام و الإبداع أو تغيب عن عوالم الكتابة كلما غاب الإلهام و ضاع طريق المعبد و التعبد . أو تفتعل الكتابة فترضي غرورها و توجهه لللمتلقي و كأنك تقول ها أنا ذا أكتب ، فتأخذ القلم جبرا و المداد هدرا و تفتعل نصوصا قد تبدو جيدة متسقة من حيث الظاهر و غير متجانسة حد الهجانة ؛ فيغيب عنها الحس و يضيع سؤال الكتابة :” لماذا نكتب ؟!” هذا عن كتابة الحدوس و ماذا عن ما أكتبه بمجال الإعلام و لما الإعلام الثقافي ؟! لما ركوب الصعب ، فهل الحقل الثقافي ملاذي و فيه أروي عطشي و فيه أجد ضالتي … هل لأني أعيش من خلاله دور المثقف المتتبع حينا و المتفاعل حينا آخر ، هل أخفي فيه عورتي إذ لا أستطيع أن أعيش دور المثقف العضوي حسب الفيلسوف “غرامشي” و لا أقبل بدور المثقف التقليدي ، أم هو محاولة لكشف عورات الثقافة ببلدي ؟! أنى لي ذلك … وجدتني في كثير منها لا ألعب إلا دور المزينة فأزين من خلال مقالاتي كل لقاءاتي . لماذا علينا أن نضع الزينة و نرفع كل آلاء الجمال و الجلال . لماذا لا نقرأ الأحداث بصورة معكوسة ؟! لماذا نضع الطلاء و كاتم العيوب وكثيرا من المراهم . لماذا أقلامنا مغلولة إلى أعناقنا تجعلنا نمارس إعلاما بدون رسالة ؟!

شاهد أيضاً

هل تنجح مواقع التواصل الاجتماعي التي جاءت ب”السيسي” في الإطاحة به كما فعلت ب”مرسي” ؟

إيمان رشيدي و تستمر ريادة مواقع التواصل الاجتماعي في صناعة  الأحداث السياسية، فبعد نشر المقاول …

تعليق واحد

  1. عزيز السليملني

    بهذا السؤال وضعت أولى خطواتك على طريق “الكتابة النقدية” هذا السؤال هو إيذان بولادة ناقدة
    بالتوفيق و السداد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اكيد 24