الإثنين 12 أبريل 2021

مولاي مصطفى حسيني الفنان  الذي اختار تعاسة الفيلسوف و لوعة الشاعر وشرود الكاتب؟..

ياسين حسيني

انبعث هذا الرجل من عالمه الخاص ليخط رسوما تجريدية على واقع المدينة المجرد. المدينة التي خلقت هذا الرجل وخلقت غيره من الرجال، جعلته مختلفا. بطريقته التي لا تخلو من حماسة وغيرة يتدفق منها الأمل المتجدد يحدثك فلا يمل

 

يدرك للحظة انك مضجر من حديثه، ويقرؤ في عينك أنك تقول: “أرجوك أيها الرجل، توقف عن الكلام”، لكنه لا يتوقف، ولا يرجوك أن تسمع، فقط يتحدث في لحظة تبدل فيه الكلام فأضحى رديئا بديئا خاليا من كل معنى.سأكون مجحفا في حقه إن اعتقدت أن هذا الخليط من الأفكار المبعثرة والهجينة المعاني، ستفيه حقه. انه لا ينتظر مقابلا، فقط يعمل في صمت.. كفيلسوف هائم في الأسواق والطرقات وهو يحدث الناس ولا تعنيه سفسطة بعضهم، في المقاهي وفي كل مكان، يحدثهم أطفالا ويافعين وراشدين وشيوخا ، يحدث الجميع، يقول لهم، إن المدينة غافلة عما تزخر به من ثقافة .

في الليل، يمسي قديسا يركن الى محراب الفن فيلخص لنا صورة هذا العالم الشقي، بألوان غامضة في معظمها، وأشكال متداخلة، يرسم عالما مجنونا.. ربما هو عالمه الخاص، ولكنه عالمنا أيضا .. كنت دائما أطرح على نفسي تساؤلات: أي مدرسة تشكيل احتوت هذا الرجل ؟ ثم، أين تعلم أصول التجريد ليكون بارعا فيه بهذا الشكل؟ لماذا لم يكن رساما ككل الرسامين ينقل منظرا طبيعيا لبحر أو صحراء أو جبل أو غيرها من الأشياء الجامدة ؟ لماذا لم يقلد دون أن يقحم خيالاته الواسعة ؟ لماذا اختار هذا الشقاء الأبدي ؟ لماذا اختار أن يكون سيزيفا ؟ لماذا اختار تعاسة الفيلسوف وحزن الفنان ولوعة الشاعر وشرود الكاتب؟…

من كل هذا، أدركت أن الرجل يعي معنى أن يكون الإنسان فنانا يبعث الحياة في الأشياء دون ان يمس قداستها، أدركت أن له طقوسه الخاصة، وله عالمه الذي ينزوي إليه كلما اشتدت عليه ضيقة الوجود، يتركنا نتعارك في نقشات بعضها أجوف، فينسل إلى هذا العالم المليء بالأشياء الجميلة.

لقد أدركت أن الرجل تسكنه المدينة بشقائها وتعاستها، وعطفها ونبلها وحبها وحنينها وأنينها وهدوئها وسكونها وانزعاجها ولوعتها، تسكنه بكل شيء فيها، بماضيها وبحاضرها ومستقبلها البعيد، وإلا، كيف له أن يختار العودة بعد سنوات العمل الطويلة ليطلب منها ركنا ثقافيا وجلسة أدبية مع من يعتقد أنهم يفهمونه أكثر من الآخرين؟ يجالسك فتجد أن شيئا ما ارتسم على محياه، ربما هي سعادته التي يحسده عليها الآخرين، بكل صدق يجالسك، ليحط من كاهله جزء من ثقل المدينة. هذه المدينة التي خلقت فيه وفي الآخرين هذا المقدار الهائل من الأمل والقلق والشك والشقاء.

هذه المدينة التي تربض على الهامش برخاوة قاتلة في أنحاء عديدة يصبح الفراغ فيها سيدا يعلو كل شيء. هذه المدينة المغبرة الكامدة التي تهمد فوق سعف نخيلها الحزين. هذه المدينة التي تجعل الناس هكذا، على قدر هائل من الصلابة. ربما هي قساوة مناخها، وربما لهيب شمسها الذي يجد فيه بعض الناس دواء لعللهم، وربما هي الزوابع التي تهب لتعيد بعثرة الاشياء. فلا يعقل أن يكون الناس هكذا لولا أن المدينة لا تكف عن ترويضهم وإعادة تكوينهم باستمرار، لكي يصبحوا في النهاية هذه السحنات البلهاء التي تفترس الوجود دونما معنى.

المدينة التي خلقت هذا الرجل وخلقت غيره من الرجال، جعلته مختلفا عنهم، لماذا اختارت أن يكونها قبل أن تكونه هي؟ لو قدر أن أكون “أنا” المدينة لسألته بسخرية : أي غباء هذا الذي تفعل يا رجل ؟ هل قدرك أن تروضني ؟ على رسلك، افعل، افعل كما فعل غيرك، ستتعب وتمل، كل الناس روضتهم على سجيتي فأصبحوا قانعين بما اخترتُ لهم ان يكونه، الركون إلى مصالحهم، العمل هنا ومنهم من اخترت لهم العمل هناك، طبعا الرحيل، حتى أنت اخترتُ لك الرحيل يوما. لماذا رجعت إذن؟ لو قدر لي أن أكون “انا” المدينة لحملتك على الرحيل مرة بعد مرة حتى لا أتركك لحزني وصمتي وشقائي وبكائي وأنيني…، لكن، فلتقر عينك ايها الرجل، لن أكون :”أنا” المدينة لأسألك، لانهزم أمامك. اعرف انك أقوى من كل الهزائم. لقد صارت روحه صلبه قوية كالفلاد لم تهزمه المدينة كما هزمت غيره ..

خارت قواها فابتسمت لك كما لما تفعل مع غيرك .. لو قدر لي أن أكون “أنا” المدينة لوضعت على كتفك وشاح الشهامة وعلى صدره وسام البطولة، لأنك اخترت بناء الإنسان، فجعلت المدينة تبتسم وهي تقول: “أنا المدينة التي ابتسمت، وأنت العصامي الذي انتصر…

شاهد أيضاً

إصدار كتاب: “السياسة الاقتصادية لسلطات الحماية الفرنسية في المغرب خلال فترة الحرب العالمية 1914 و 1919م” لحسن ادجوز

صدر عن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير دراسة جديدة بقلم الباحث حسن ادجوز، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اكيد 24