ثقافةكُتّاب وآراء

لماذا نكتب ؟؟

محمد الصديق اليعقوبي
سؤال يقض مضجع من علق روحه برأس قلمه وسكب حبره في دم قلبه ليمتزج معه ويجري في شرايينه فإن باح للسطور وجد فيما كتب مرآةً لما يخالجه ويعتريه ووصل إلى أعماق كل من قرأ ما بينها. لكن بعد كل لقاء لنا مع الأوراق لابد أن نسائل أنفسنا لماذا نكتب؟
لا نكتب لأننا شعراء ولا بهدف الإبداع ولا حتى لنكون في نفس رتبة الكُتَّاب . نحن نكتب لنرمي ما يتخبط في عقولنا على ورق وعلى شكل كلمات .
صراعاتنا…تناقضاتنا.. أحلامنا … أمانينا ..حزننا.مآسينا..معاناتنا..
اوجاعنا..آلامنا…وغيرها وغيرها.. نطوف بهذه المشاعر كلها بين الأوراق ..
نكتب أحيانًا تألُّمًا وشكوى مما يثور في أعماق وِجداننا، وفي أحيان أخرى نكتب نيابة عمَّن لا قلمَ له ولا صوت، نكتب أحيانا للتنفيس وإراحة لضمائرنا المثقلة والمتعَبة، نكتب إعترافًا ببشريَّتنا وضعفنا وزلاتنا، وأملاً في الغُفران والتوبة.
نكتب لنُحادث غيرنا مُدَّعين القدرة على قراءة أفكارهم، ونحاول عبثا التعاطُف معهم، والإحساس ببعض همومهم.
نكتب لنؤثِّر ونتأثِّر، نكتب إعلانًا لعِصياننا وتمرُّدنا على تلك القيود والسلاسل، نكتب تظلُّمًا لنُريَ العالم أثر القيد الضيِّق على أرواحنا الكبيرة، نكتب لنرتاح من الألم مرة واحدة، ولعلَّنا نكتب مرات كثيرة رغبة في المزيد من الألم المُلهم، نكتب عزاءً لذَواتنا، وتصبيرًا لكل من يبحث عن برد العزاء وراحة السلوى عن كل محبوب ومفقود.
نكتب لأننا أنانيون نحبُّ ذَواتنا المتضخمة كثيرًا، ونعلن هذا الحبّ على الملأ بلا خوف ولا خجلٍ، نكتب إقرارًا بجهلنا، ولنبحث عن قبس هداية ونارٍ دافئة تُعيد للذكرى حبَّ الأم اللامتناهي، ودِفء حُضنها وأمنه، مثلنا حين نكتب كطفل يقف على أصابع قَدَميه، ويشد قامته لكي يقنع إبن الجيران بأنه أكبر وأفهمُ، وأحيانًا نحاول ببعض كلماتنا الهروب من ملاحقة الزمن ودولاب العمر، فنخلع سرًّا ثياب الكبار، ونمسح من صورنا وقارهم المصطنع، وسمتهم المتكلف، ونركض خلف فراشة الحقل، ونضحك بلا سببٍ ضحكات لم يكدر صفوها التفكير بالغدِ وهموم عالَم الكبار الكئيب.
نكتب لنستعيد بعض إحساسنا وشعورنا، ونحرر دمعات حارة حبستها بلادة الطبع، وغلاظة الرُّوح، نكتب لنغازل الفرح ونُراقص الأمل، نكتب توجُّعًا للأندلس المفقود، وحِدادًا على سقوط بغداد مرة بعد مرَّة، نكتب تدمرا على ما آلت اليه الأوضاع في سوريا واليمن ونرفع بكلماتنا علَم الجهاد لندفع به ذُلاًّ لا يليق بنا، وندرف الدموع على فلسطين الحبيبة ونطلب تحرير بلاد المسلمين من أيدي اليهود والصهاينة الغاشمين .نكتب لفتح الحدود وفتح القلوب.
كتاباتنا رُؤًى سعيدة نهرب على أجنحتها من مرارة الحاضر إلى وعد الله الحقِّ، نكتب بحثًا عن الأمن والسلام، نكتب ولا بد أن نكتب، فكلماتنا صرخات مخنوقة تؤلِمنا وتُعَذِّبنا، ولا تهدأ ولا تستقر حتى تسمع، نكتب هربًا من الوحدة القاتلة إلى صحبة القلم المؤنِس الذي يسافر بنا إلى بلاد بعيدة، كلُّ شيء فيها جديدٌ ومثير، ولَم نَعهده من قبلُ، نهرب على صهوته من صمت الذات إلى حفل صاخبٍ، وأحاديث مطولَّة مع صديق قديم، لَم نَرَه منذ زمنٍ بعيد
ربما الكتابة هي نوع من حماية الذات حتى لا نتداعى …
لكن من أين نبدأ وأين ننتهي !!
هل فعلا” لكل شيء بداية؟ أم كل شيء يدور بشكل دائري والقدر وضعنا في نقطة معينة من هذه الدائرة لكي نكمل ما هو مقدر !! ربما !!!
وماذا عن النهايات ؟؟ هل تنتهي الأشياء فعلا” ، أم تذبل وهل النهاية بداية لشيء آخر ؟
كل ما نراه يمكن أن ينتهي بلحظة لكن ماذا عن الإحساس ؟! هل يمكن تطبيق نظرية الإنتهاء على المشاعر ؟.. حتى لو كان الإحساس حقيقيا” أكثر من أناملي التي تمسك هذا القلم الآن .. هل يمكن حقا” أن ينتهي هذا الإحساس ؟؟؟ أم يتبدل ويتشكل ويتحول إلى جرح ثم إلى ألم سرمدي .. أم يتحول إلى مرض مزمن ؟؟
حقا” لا أعرف .. لا أعرف ..
من أين نبدأ وأين ننتهي !!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى