كُتّاب وآراءمجتمع

رمضان على عجلتين… انفلات الدراجات النارية خطر يهدد الجميع

حفيظة لبياض.
عاد الجدل بقوة حول فوضى الدراجات النارية الصينية في شوارع مدننا، خاصة بعد الحادثة المروعة التي شهدتها الدار البيضاء، حين أقدم سائق دراجة نارية على دهس شرطي بعدما رفض الامتثال لأمر التوقف. لم يكن المشهد عادياً، بل صدمة جماعية أعادت طرح سؤال ظل مؤجلاً طويلاً: إلى متى يستمر هذا التسيب الذي بات يهدد سلامة المواطنين وهيبة القانون معاً؟

لم تعد الدراجة النارية لدى فئة من الشباب والمراهقين مجرد وسيلة نقل بسيطة تيسر التنقل وتخفف أعباء المعيشة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة استعراض ومغامرة في الفضاء العام. ويزداد هذا السلوك حدة خلال شهر رمضان، حيث تمتد السهرات وتتضاعف التجمعات الليلية، فتتحول بعض الشوارع إلى ما يشبه حلبات سباق مفتوحة، تُستعرض فيها السرعة والحركات البهلوانية بلا أدنى اعتبار لقواعد السير أو لسلامة المارة.

قيادة بدون خوذة، سير في الاتجاه المعاكس، تجاوزات خطيرة بين السيارات، ضجيج متعمد في الأحياء السكنية، وتحدٍّ واضح لكل إشارات المرور… صور أصبحت مألوفة إلى حد مؤلم. المواطنون وسائقو السيارات عبّروا مراراً عن انزعاجهم وخوفهم من هذه الممارسات التي لا تمت لقواعد السياقة بصلة، والتي تعرض حياة الجميع للخطر، بما فيهم أصحاب الدراجات أنفسهم. غير أن ما كان يُعتبر فوضى مزعجة، تحول اليوم إلى سلوك قد يصل حد الاعتداء المباشر، كما أظهرت واقعة دهس الشرطي.

حين يرفض سائق دراجة نارية الامتثال لأمر التوقف، ويختار الهروب بل ويدهس رجل أمن، فنحن أمام مؤشر خطير على شعور بالإفلات من العقاب، وعلى جرأة غير مسبوقة في تحدي سلطة القانون. هذا الانزلاق لا يمكن التعامل معه بمنطق التساهل أو التغاضي، لأن الرسالة التي تُبعث إلى الشارع في مثل هذه الحالات قد تكون أخطر من الفعل نفسه.

إن الدعوة إلى تشديد المراقبة وفرض رخصة السياقة على مستعملي هذه الدراجات ليست نزوعاً إلى العقاب بقدر ما هي مطالبة بالحماية. حماية للمواطنين الذين يحق لهم السير في شوارع آمنة، وحماية للشباب أنفسهم من مصير قد ينتهي بإصابة خطيرة أو فقدان حياة في لحظة تهور. كما أن تنظيم القطاع، وضبط الدراجات غير المرقمة أو المعدلة بشكل مخالف، وتكثيف حملات التوعية، خطوات ضرورية لتدارك وضع يكاد يخرج عن السيطرة.

المسألة لم تعد مجرد مخالفات متفرقة، بل ظاهرة تتسع أمام أعين الجميع. وإذا استمر التساهل، فإن عدد هذه الدراجات وسلوكياتها الخطرة سيستمر في التزايد. الشارع ملك مشترك، وأمنه مسؤولية جماعية، لكن الدولة تبقى مطالبة بوضع حد واضح لكل انفلات، بحزم وعدل في آن واحد. لقد آن الأوان للتدخل الجاد، حماية للأرواح وصوناً للنظام العام، حتى لا يتحول هوس السرعة على عجلتين إلى مأساة مفتوحة على الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى