كُتّاب وآراءمجتمع

بين الإمتنان و النقد البناء : قراءة تكتيكية في اختيارات مدرب المنتخب الوطني

تعقيبًا على ما صرّح به مدرب المنتخب الوطني المغربي خلال الندوة الصحفية.

لا يسعني في البداية إلا أن أتقدّم إليكم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان على ما حققتموه من نتائج إيجابية ومشرفة، نتائج لم نكن يومًا نحلم بالوصول إليها بهذا الثبات والاستمرارية. كما أُنوّه عاليًا بالمجهودات الجبّارة المبذولة، وبسهر الليالي بتفانٍ وإخلاص، إذ إن هذه الحصيلة لم تأتِ صدفة ولا عبثًا، بل هي ثمرة عمل، ومثابرة، وتضحيات تستحق كل التقدير والاحترام.

غير أنه، ومن باب الصراحة والمسؤولية، أرى – ومع كامل الاحترام – أنكم تأثرتم كثيرًا بفلسفة الكرة العربية والإفريقية، على حساب المدرسة الأوروبية، والإنجليزية، والبرازيلية على وجه الخصوص. فهل هو نسيان أم تناسٍ؟ الله أعلم. سأنتقدكم قليلًا، راجيًا منكم سعة الصدر وحُسن الإنصات لا مجرد الاستماع، لأن الإنصات وعي، والاستماع فعل آلي.

لقد استمعت إليكم وأنتم تؤكدون في الندوة الصحفية أنه لا يمكن اللعب بطريقة Bloc haut، وأنه لا يوجد أي فريق عربي أو إفريقي يعتمد هذا الأسلوب. وهنا، اسمح لي أن أقول إن مثل هذا التصريح يُحبط شريحة واسعة من عشّاق فرجة كرة القدم الجميلة. شخصيًا، آخر لاعب كان يُمتعني حقًا هو الساحر والفيلسوف رونالدينيو، لا ميسي ولا كريستيانو رونالدو. وآخر قنّاص حقيقي في تاريخ الكرة العالمية هو البرازيلي رونالدو نازاريو، ومن لم يعرفه فربما لم يُنصفه هذا الجيل. أما آخر صانع ألعاب، بل رسّام للكرة كما وصفه ذات مرة أحد معلّقي الجزيرة، فهو أندريس إنييستا، دون أن ننسى الأسطورة زين الدين زيدان، وكوكبة من عمالقة كرة القدم العالمية.

ومن هذا المنطلق أقول لكم: كفى، وأنصتوا بارك الله فيكم. نحن معكم ولسنا ضدكم. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه:

ما الذي ينقصنا حتى لا نلعب بـ Bloc haut؟

هل هو تخوّف؟ أم عدم ثقة في لاعبي المنتخب الوطني المغربي؟ أم تقليل من شأنهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؟ وإن افترضنا ذلك، فلماذا لا نكون نحن الاستثناء، إفريقيًا وعالميًا؟

نحن نتوفر على طاقات شابة، تمتلك الخبرة، واللياقة البدنية العالية، ومسارات احترافية حافلة بالألقاب، خصوصًا أن أغلب عناصر المنتخب تنشط في دوريات أوروبية كبرى وضمن أندية عالمية.

خذوا مثال برشلونة أو مانشستر سيتي: لماذا تُهابهما الفرق؟ لأنهما يلعبان بثقة عالية، وبحنكة كبيرة في تدبير المباريات، ويعتمدان على Bloc haut. ولماذا تلجأ أغلب الفرق أمامهما إلى Bloc bas؟

هل هو خيار إرادي؟ أم نتيجة فرض نفسي (psychiquement) لقوة الخصم قبل حتى انطلاق المباراة؟ أليس هذا واقعًا؟ أثبتوا لي العكس إن استطعتم.

وإن كانت هناك بعض نقاط الضعف لدى عناصر المنتخب، فواجب العمل عليها وتحويلها إلى نقاط قوة، لأن هذا النوع من الخطط والتكتيكات لا يتطلب فقط الشجاعة، بل الذكاء في التدبير. كما أن Bloc haut لا يستهلك بالضرورة مجهودًا بدنيًا أكبر من منظومة 1-4-1-4، التي تُجبر خط الوسط على مجهود مضاعف بين الصعود والارتداد بسبب اتساع المساحات بين الدفاع والهجوم.

في المقابل، فإن خطة 2-4-4 تضمن عودة سريعة، وتغلق الفراغات في وسط الميدان، بتغطية أسرع ومساحات أقل، سواء في دعم الهجوم أو مساندة الدفاع عند الحاجة و هنا أستحضر الفلسفة الميكيافيلية ” أحسن وسيلة للدفاع هي الهجوم “.

الخصائص الرئيسية لـ Bloc haut:

دفاع متقدم:

يبدأ الدفاع بالقرب من منتصف ملعب الخصم، أو داخل نصف ملعبه، والهدف هو الضغط المبكر ومنع بناء اللعب.

Pressing عالٍ ومكثف:

ضغط سريع من خط الوسط والمهاجمين على حامل الكرة، لتقليص الزمن والمساحة وإجبار الخصم على التمرير الخاطئ.

مخاطرة محسوبة:

في حال كسر الخط العالي، تصبح المساحات خلف الدفاع واسعة، ما يتطلب مدافعين سريعين وحارسً متقدم.

استحواذ والتحكم:

استرجاع سريع للكرة والتحكم في إيقاع المباراة.

تنسيق جماعي:

انسجام كامل بين الخطوط للحفاظ على تماسك “الكتلة”.

متى يُستعمل Bloc haut؟

ضد الفرق التي تعتمد على البناء البطيء من الخلف.

عند الرغبة في فرض الإيقاع والسيطرة.

مع لاعبين يتمتعون بالسرعة والجاهزية البدنية العالية.

كما يمكن التحكم في نسق المباراة حسب الحاجة، حين نريد رفع إيقاع المقابلة يمكن:

Accélérer le rythme du match

Intensifier le jeu

Monter en puissance

Mettre de l’intensité

و في المقابل عندما نريد خفض إيقاع المقابلة:

-Récupération des joueurs

Temps de récupération.

-Ralentir le rythme du match.

-Maîtriser le jeu.

-Gérer le tempo.

-Prendre son temps.

التحكم في المباراة يعني: أرفع الرتم متى أشاء، وأخفضه متى شئت.

لكن ما لا أقبله ولا أطيقه هو خطاب الاستغباء والاستخفاف بالعقول. لا الصحافة تُستحمر، ولا الجمهور يُقلّل من وعيه، أياً كان موقعه أو مكانته.

أنت مدرب المنتخب الوطني المغربي، والجميع يساندك في الشدائد قبل الأفراح. أنت منا، ونحن منك، ومغاربة نعتز ونفتخر حين يكون هناك ما يُفتخر به، ونصمت حينًا وننتقد حين تستدعي الأمور ذلك. ولهذا كتبت هذه الرسالة، باعتبارها نصيحة أخوية مغربية من أخٍ أصغر إلى أخيه الأكبر.

خذها أو لا تأخذها، تقبلها أو لا، لكن يقيني راسخ: لو فُتح هذا النقاش مع كبار المدربين أو اللاعبين العالميين، لقالوا الشيء نفسه، لأن هذه مسلمات كروية تُدرّس في أرقى معاهد تكوين أطر التدريب.

لكم مني مجددًا كل التقدير والاحترام، ونسأل الله تعالى أن يوفقكم وعناصر المنتخب الوطني المغربي، وأن يكتب لكم مزيدًا من الرقي والنجاح، ولِمَ لا العودة من كأس العالم، المنظم بكندا والولايات المتحدة الأمريكية، بالكأس العالمية.

وذلك بدعم الجماهير المغربية،

وتحت إشراف السيد المحترم فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم،

وبقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله و أطال في عمره

 

معاذ.ب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى