مُؤلف: “المغرب والولايات المتحدة الأمريكية من خلال الأرشيف المخزني 1786-1912”

مؤلف للدكتورة خديجة القباقبي اليعقوبي

تقديم : المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير
يتقاسم المغرب والولايات المتحدة الأمريكية محطات تاريخية بارزة في تاريخهما المشترك، فكثيرا ما تردد على مسامعنا أن المغرب أول من اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية وفتح مراسيه لسفنها .ويحتل المغرب بدوره مكانة خاصة في التاريخ الدبلوماسي الأمريكي ،فهو يحتضن فوق أرضه”المفوضية الأمريكية بطنجة”،وهي أقدم تمثيلية دبلوماسية للولايات المتحدة الأمريكية خارج حدودها الترابية ، و مصنفة ضمن السجل الوطني الأمريكي للمباني التاريخية منذ 1981،وهي أول مبنى مسجل خارج الولايات المتحدة الأمريكية،ولهذا الأمر وحده دلالته التاريخية على قدم العلاقات وعراقتها.
لقد شكل البحث في تاريخ “المغرب والولايات المتحدة الأمريكية من خلال الأرشيف المخزني 1786-1912” موضوع أطروحة دكتوراه ،نوقشت بجامعة محمد الخامس -أكدال -كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ،يوم 28 ماي 2007 ، من إعداد الدكتورة القباقبي اليعقوبي خديجة ،تحت إشراف وتوجيه الدكتور جامع بيضا بميزة مشرف جدا. وقد كانت اللجنة تتكون من السادة الأساتذة :جامع بيضا ،خالد بن الصغير ، بوجمعة رويان ،وعبد الرحيم بن حادة. وحرصا منا على أهمية العمل،و التوثيق لعلائقنا التاريخية مع باقي الدول الأجنبية ، وحماية لتاريخنا وذاكرتنا المشتركة معها، وإظهار دور الدبلوماسية المغربية وأدائها المتميز في أصعب الفترات التاريخية، وأصالة مؤسساتنا ،أقدمت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بتقديم هذا الإصدار لجمهور الباحثين والمهتمين .
تتجلى أهمية هذه الدراسة في كون الأرشيف المخزني كان عماد هذا البحث ومادته الأساسية ،فتم اعتماد إحدى عشرة محفظة خاصة من مديرية الوثائق الملكية لم يتم الإطلاع عليها سابقا،بإذن خاص من الأستاذ عبد الوهاب بن منصور مؤرخ المملكة السابق ،بالإضافة إلى مكنونات خزانات متعددة ،مما جعلها تلقي الضوء على عدد من الأزمات التي اعترت هذه العلاقات طيلة الفترة المدروسة.وأماطت اللثام عن وجهة النظر المغربية المغيبة في الدراسات الأجنبية والمغربية على حد سواء .
يتمحور هذا الإصدار حول إشكالية عامة وهي كالتالي:
ظلت الولايات المتحدة الأمريكية طيلة الفترة المدروسة (1786-1912) قوة ثانوية بالمغرب، إذ لم تكن لها أطماع ترابية به ، وعملت على حماية مصالحها التجارية والإستراتيجية، في الوقت الذي كان المخزن ينتظر منها كسر طوق المنافسة الأوروبية من حوله ،مما يجعل السؤال يطرح نفسه : إلى أي حد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية في إطار علاقتها بالمغرب أن توازن بين حماية مصالحها ، والاستجابة لتطلعات المخزن؟ وهل كانت العلاقة مفيدة وبناءة لكلا الجانبين؟
تفرعت عن هذه الإشكالية العامة إشكاليات فرعية أخرى تبلورت في تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أبواب كبرى، تضم عشرة فصول، متصدرة بمقدمة عامة ومنتهية باستنتاجات مستخلصة.
كان عنوان الباب الأول “التطور التاريخي للعلاقات بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية مابين1786-1869″، وقسم إلى ثلاثة فصول.تناول الفصل الأول الوجود الأمريكي بالبحر البيض المتوسط وملابسات التوطيد القانوني للعلاقات المغربية الأمريكية،ثم التعرض للأبعاد السياسية لمعاهدة السلم والتجارة بين الطرفين.
أما الفصل الثاني فقد خصص للعلاقات بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر (1790-1834)، وتم الحديث عن العلاقات خلال عهد السلطان المولى سليمان، والخلاف المغربي الأمريكي لسنة 1802، ثم تطورات هذا الخلاف أو ما يعرف بأزمة 1803-1805. كما تعرض للبدايات الأولى للتمثيل القنصلي الأمريكي بالمغرب ما بين 1801-1838، و محاولات تأقلم واستقرار القناصل الأمريكيين. وأخيرا نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في طرح موضوع تجديد معاهدة 1786 بمعاهدة مكناس سنة 1836.
تناول الفصل الثالث علاقة المخزن بالسياسة الأمريكية بالبحر البيض المتوسط،فتم التعرض إلى التوتر بين الطرفين خلال أزمة 1842،ثم علاقة المخزن بالصراع الإسباني الأمريكي بالبحر الأبيض المتوسط ،وأخيرا طلب التحكيم في قضية بول راي (Paul Reay) ،وانتهاء بطلب حصولها على مرسى بالمغرب، ومشاركتها في اتفاقية رأس سبارطيل.كما تناول هذا الفصل مظاهر التنسيق المغربي الأمريكي إبان الحرب الأهلية الأمريكية والتحركات الدبلوماسية الإنجليزية لوقف ذلك التنسيق.
جاء الباب الثاني بعنوان “المغرب والولايات المتحدة الأمريكية(1869-1894): المد والجزر “.وخصص هذا الباب لرصد العلاقة الثنائية بين الطرفين من خلال أداء القناصل الأمريكيين.وأفرد لهذا الباب مقدمة وثلاثة فصول ،تضمن الفصل الأول:الولاية الأولى والثانية لفليكس ماثيوس (Félix Mathews) ،وتم فيها إلقاء بعض الضوء على تجاوزاته وظروف عزله.كما تم التعرض للمحطات البارزة لولايته الثانية،كقضية طلب المغرب الحماية الأمريكية، ومحاولاته تدعيم العلاقات الثنائية بين الطرفين،،ومشاركة دولته في مؤتمر مدريد.
وتناول الفصل الثاني محاولات الولايات المتحدة الأمريكية تحسين علاقتها مع المخزن، وذلك بتعيين ريد لويس (Reed Lewis) ممثلا لها بالمغرب، وما أدى إليه هذا التعيين من مصادمات مع المخزن وتوالي الأزمات وظروف عزله.في حين استعرض الفصل الثالث أشكال الاستمرار في التمثيل القنصلي الأمريكي بين 1889 و1890. ثم تعيين فليكس ماثيوس قنصلا عاما للمرة الثالثة ما بين 1890و1893.وتم التركيز في هذا الفصل على إبراز مجال تجاوزاته، والاهتمام بالجانب التجاري بين الطرفين المغربي والأمريكي.
جاء عنوان الباب الثالث والأخير من هذه الدراسة “بالمغرب والولايات المتحدة الأمريكية بين1894 و1912 :الدفاع عن المصالح”.وتعرض الفصل ا الأول إلى بعض مظاهر الممارسة القنصلية الأمريكية بالمغرب خلال العهد العزيزي الأول ما بين 1894-1900 بدءا بتهميش تعليمات المخزن ثم الإفراط في الطغيان ، والاستيلاء على العقارات، والعودة للتهديد العسكري بعد أزمة يونيو 1897، ثم تناول محاولات فرانك –س- بارتريدج (Frank –c- Partridge) الإصلاحية.
غير أنه تناول الفصل الثاني من هذا الباب نشاط القناصل الأمريكيين بالمغرب خلال العهد العزيزي الثاني 1900و1908 وعلاقتهم بالمخزن ، ثم انتقال صدى الحرب الأمريكية الإسبانية بكوبا إلى طنجة ، وموقف الولايات المتحدة الأمريكية من التسرب الفرنسي بالمغرب، ومن الاتفاق الودي الفرنسي البريطاني لسنة 1904.
أما الفصل الثالث فقد خصص لرصد التحرك الدبلوماسي الأمريكي ، إثر حادثة اختطاف بيرديكاريس (Perdicaris) ، وطلب الوساطة الفرنسية في هذا الموضوع ، وتسليط بعض الأضواء على دور الولايات المتحدة الأمريكية في مؤتمر الجزيرة الخضراء ، ونشاط الدبلوماسية الأمريكية بطنجة بعد هذا المؤتمر .
وافرد الفصل الرابع للحديث عن المغرب والولايات المتحدة الأمريكية من بيعة المولى عبد الحفيظ إلى حدود إعلان الحماية الفرنسية والإسبانية على المغرب1908-1912،من خلال محاولات تدعيم النفوذ الأمريكي بالمغرب، بدءا من الاهتمام بالمصالح الاقتصادية الأمريكية ،كما تم تتبع هذه العلاقة عشية الإعلان عن الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912 من خلال أزمة أكاد ير والاعتراف بالحماية الفرنسية بالمغرب.
خلصت هذه الدراسة التي انصبت على تحليل بعض من جوانب العلاقات المغربية الأمريكية على تعدد منافذ التأثير الأمريكي في مغرب القرن التاسع عشر ، والمساهمة في تعميق أزمته ،إلى جانب الدول الاستعمارية الأخرى من جراء ممارسات القناصل وابتزازهم المتواصل ،وردود فعل كتابة الدولة المساندة لهم في أغلب الأحيان.كما تم الكشف عن المقاربة المخزنية لهذه العلاقات ،والتي بدت حازمة أحيانا ومترددة أحيانا أخرى والتي فرضها التفوق العسكري الأمريكي ،ورغبة المخزن في الوقت نفسه من الاستفادة من هذا التفوق، لمواجهة الضغط الأجنبي من حوله، بالإضافة إلى دسائس بعض الدول الأوروبية، وتقاطع مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
أظهرت المراسلات المخزية دفاع المخزن المستميت عن مصالح البلاد ،وعدم امتلاكه القدرة على إلزام ممثلي دولة قوية كالولايات المتحدة الأمريكية للاستجابة لمطالبه ،وعجزه ببنياته التقليدية ،عن تطوير أسلوب تعامله مع النظام الأمريكي في ظل بعد المسافة وغياب تمثيل دبلوماسي كفيل بالدفاع عن مصالح البلاد ،وجهله بالنظام السياسي الأمريكي .كما أبانت عن ضعف اهتمام أمريكي بمطالب المخزن وتهميشا وحصرها في خانة غير قابلة للتنفيذ ،في حين دافعت عن الامتيازات التي خولتها لهم الاتفاقيات.
وعموما يمكن القول أن الاعتبارات الإستراتيجية والتجارية، شكلت حجر الزاوية في علاقة الولايات المتحدة الأمريكية مع المغرب ،وظلت المحرك لكل قراراتها، وهو ما فسر حرصها على استمرارية هذه العلاقات .بيد أنه لم تكن في هذه الاستمرارية روح التكافؤ أو المساواة بين الجانبين،فالولايات مالبتث أن تصرفت وفق رؤية استعمارية صرفة في إطار معالجتها لبعض القضايا التي اعترضت هذه العلاقات و كان تدخلها من باب الحفاظ على هيبتها كقوة عظمى ، أو الحفاظ على التوازن بين القوى المتنافسة على المغرب أكثر من الاهتمام بمصيره.
والواقع أن إصدار هذا البحث من طرف المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، جاء كنتيجة لاعتماد هذا البحث على كمية لاتحصى من الوثائق المخزنية لم يسبقه أحدا لاستغلالها، وهي كفيلة بإزالة الغبار وتجديد الوقائع وتصحيح الكثير منها،خاصة أنها وثائق مزدوجة الأصل ،مما يسمح برؤية جديدة لهذه العلاقات .ويضع بين أيدي الباحثين جزء من الذاكرة التاريخية المشتركة للشعبين المغربي والأمريكي ، تعطي دروس غنية في المواقف وردود الأفعال ،وتساعد على تجاوز هفوات الحاضر والمستقبل في ظل تعزيز التعاون القائم بين البلدين لأزيد من ألف ومأتيين وثمانية وثلاثون سنة(منذ 1779)،بما يضمن مصالح كلا البلدين ،ويحقق طموحاتهما،ونأمل أن يلقى هذا العمل القبول والاستحسان من جموع المؤرخين والمهتمين بهذا الحقل المعرفي والله المستعان.




