في حوار مع د.سعيد عدي: المستعمر استخدم النساء كمجندات جنس .. وشجع تجارة العظام البشرية نحو أوروبا.
حاوره : محمد العشوري.
في إطار اللقاءات التي دأبت جريدة ” الوطنية ” على إجرائها مع مهتمين بالشأن الثقافي والجمعوي؛ طاقم الجريدة استضاف الدكتور سعيد عدي باحث متخصص في التاريخ المعاصر، وأجرى معه الحوار التالي:
بداية من هو سعيد عدي؟
سعيد عدي من مواليد 22 أبريل 1983م بقصر آسا ( جنوب المغرب )، مهتم بالعلاقات المغربية المتوسطية والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، حاصل على:
- شهادة الدكتوراه في التاريخ المعاصر؛ جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية –ظهر المهراز-فاس. سنة 2016.
- الماستر في وحدة التكوين ” المغرب والعالم المتوسطي خلال العصرين الحديث والمعاصر” جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية –ظهر المهراز-فاس. سنة 2010.
نود في البداية تقريبنا من أنشطتكم العلمية ذات الصلة بالتاريخ المغربي المعاصر.
أشكر جريدة “الوطنية” على مقاسمتنا هَمَّ البحث في تاريخ المغرب، هذا الرافد العلمي الكبير مازلت فيه من المبتدئين، ولما يمض على تحصيلي شهادة الدكتوراه إلا عام ونيّف؛ مدة استثمرتها في وضع كتابين قيد الطبع، الأول موسوم بعنوان: “المغرب والنظام الدولي لمنطقة طنجة 1923-1956” وقد حصل على دعم من وزارة الثقافة لهذه السنة. والثاني تحت عنوان “المدينة المغربية في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية مدينة طنجة ومنطقتها الدولية خلال ق.19 و 20. “أشتغل حاليا على مؤلف يهم منطقة أسا خلال الفترتين المعاصرة والراهنة. وكان لي شرف التنسيق لعدة مؤلفات جماعية صدر الأول منها متم سنة 2014 تحت عنوان: “المغرب والعالم المتوسطي دراسات في تاريخ العلاقات الدولية المغربية ما بين ق.19 و20” ولي بمعية آخرين قيد الطبع تأليف جماعي بعنوان: “دراسات في تاريخ المغرب خفايا وإضاءات حول الهامش والمهمش”يرتقب صدوره متم هذه السنة تحت إشراف المندوبية السامية للمقاومة وجيش التحرير.
عرف المغرب عدة تحولات خلال الفترتين المعاصرة والراهنة؛ كان موضوع الهجرة محورا لها، وماتزال تلك القضايا تستأثر باهتمام الرأي العام المغربي،ويصفها كثيرون بأنها شائكة ومثيرة للجدل، فيما ينتقد البعض بقاء الكثير من القضايا الأخرى دات الأهمية القصوى في عداد الطابوهات مثل قضايا تهجير النساء وتجارة العظام البشرية وغيرها… لماذا؟
بالنظر إلى الظرفية التاريخية الراهنة فإن قضايا الهجرة تحظى بأولوية قصوى في نظري، ذلك أن المغرب يمر من مرحلة دقيقة على مستوى الدور الذي بات يلعبه في محيطه الإقليمي كبلد استقرار للمهاجرين بعد ما كان بلد عبور، أتى ذلك في سياق التحولات التي شهدتها مختلف بلدان العالم على المستويين الاقتصادي والسياسي، وأقصد الأزمة الاقتصادية التي ألمت بالأنظمة الرأسمالية شمال المتوسط، وظروف الحراك السياسي المسمى ب”الربيع العربي” أو “الربيع الديمقراطي” كما يسميه كثيرون،هذا الحراك عصف بأنظمة بعض الدول، وجعل البعض الآخر يعيش على وقع التوتر والاقتتال وانعدام الأمن لسنوات طوال، كلها ظروف تضافرت لتجعل من المغرب بلدا يعج بالمهاجرين الفارين من ويلات الحروب في بعض المناطق كالشام مثلا، أو من إفريقيا جنوب الصحراء لأجل تحسين أوضاعهم المعيشية، فكان لزاما على المغرب أن يوضح سياسته في هذا الباب، ضمن هذا السياق جاء قرار تسوية أوضاع المهاجرين كخطوة جريئة تبنتها المملكة في سياق انفتاحها على محيطها الإفريقي. كل ذلك جعل من موضوع الهجرة حديث الساعة الآني والظرفي، وفتح هذا الملف يستدعي التوسل إلى الدرس التاريخي على اعتبار ما يتيحه المنهج التاريخي من دقة في الضبط والتحقيق والتمحيص.
قبل أن يتحول المغرب إلى بلد يستقطب الهجرة كان بلدا مصدرا لها، ما هي الجذور التاريخية لذلك؟
يصعب الإمساك بالوعاء الزمني لظهور الهجرة المغربية نحو الخارج، لكن نحدده عموما في فترة ما بين الحربين العالميتين، إذ أن إدارة الحماية كانت عاكفة على تهدئة القبائل الثائرة ضد تواجدها في المغرب، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى بدأت فرنسا في تدعيم قواتها في ميدان الوغى بالمحاربين من رجال القبائل، الشيء الذي مكنها من إضعاف قوة المقاومة المسلحة التي استمرت إلى حدود سنة 1934م، وجندت فرقا إضافية في الحرب العالمية الثانية حيث شكل الجنود المغاربة ما نسبته 09% من مجموع القوات الفرنسية فيما شكل المحاربون الأفارقة الشماليون 53% منها، ولم تكتف فرنسا بذلك بل تعدته إلى تعبئة اليد العاملة المغربية من أجل الالتحاق بالعمل في الميتروبول لإعادة بناء ما دمرته الحرب خصوصا بعد تعهد المقيم العام الفرنسي الجنرال “نوكيسNoguès ” أمام مجلس الحكومة في 3 من شهر يونيو 1939م بتزويد بلده باليد العاملة المغربية، وفتح باب الهجرة الموسمية للعمل في الزراعة، وتعهدت إدارة الحماية بتحمل جزئ من تكاليفها الى جانب “فدرالية مستخدمي اليد العاملة الزراعية” بفرنسا، ومع توالي السنين ترسخت لذى المغاربة ثقافة الهجرة إلى فرنسا وأوربا الغربية بصفة عامة.
هل كان لذلك أثار سلبية على المجتمع المغربي؟
بالفعل لكن قبل الجواب عن سؤالكم لابد من التأشير على أن مناطق الجنوب المغربي ومناطق الأطلسين المتوسط والكبير كلها كانت مقصدا لفرنسا من أجل التنقيب عن المؤهلين للعمل بأراضيها نظرا لما عرف عن سكان تلك المناطق من استقامة وتفان في العمل، وقد كلفت بتلك المهمة الضابط الفرنسي “فيليكس موغا Félix Morat” الذي أفرغ مناطق الجنوب من طاقاته العمالية الشابة والمؤهلة، هذا السلوك رسخ ثقافة الهجرة عند الشباب، وخلف تدمرا في أوساط النساء، تجلت مظاهرها في بعض الأشعار الغنائية للنساء من قبيل إنشادهن: “يَامُو غَايا لعْدو … ماخَلَّيتْ الرْجاَل إكعْدو. وجود مثل هذه الأساليب التعبيرية يقربنا من حجم عملية التهجير تلك وأثارها في نفوس المغاربة.
بعد أن تجاوزت فرنسا أزمتها نهجت سياسة تقليص حجم الهجرة المغربية إليها بسنها لترسانة من القوانين، واستصدرت لذلك بعض الظهائر السلطانية خصوصا ظهير 16 جمادى الثانية عام 1350هـ الموافق ل 27 أكتوبر من عام 1931م الذي فرض المزيد من القيود على الهجرة، قياسا على الإجراءات التي كان معمولا بها في فرنسا، هكذا تخلت عن عشرات الآلاف من السواعد التي ساندتها في أحلك الظروف، لقد كرس الواقع الاستعماري جعل أعين المغاربة مشدودة نحو فرنسا، ولما كان الولوج إليها بشكل قانوني مستحيلا فقد ظهر نوع آخر من الهجرة لم يكن للمغاربة سابق عهد به، وهو الهجرة السرية التي تولت تنظيمها شبكات التهريب، حيث كان أرباب العمل في المتروبول بداية يبعثون بعقود عمل بيضاء إلى مندوبيهم الذين يقومون ببيعها للعمال الراغبين في الهجرة لقاء مبلغ 1000 فرنك فرنسي، وإذا تعذر الحصول على العقد فإن الراغب في الهجرة يدفع مبلغا يتراوح ما بين 1000 و2000 فرنك فرنسي إلى شبكة من المهربين الأوربيين الذين يعملون على ترحيل العمال سرا إلى فرنسا على متن زوارق شراعية.
هل يعني ذلك أن الهجرة السرية “لحريك” كانت وليدة الحقبة الإستعمارية؟
تماما. وقد كرس الواقع الجديد ظهور حركية سكانية منقطعة النظير داخل عموم المغرب من جنوبه إلى شماله هدفها البحث عن الاستقرار والعمل، ومن حسناته تقوية الهجرة الداخلية التي أفضت إلى انتعاش الاقتصاد المغربي لاسيما في شقه المتعلق بالتجارة.استمرتهذه الحركية دون انقطاع نحو طنجة التي استقطبت أعدادا متزايدة من المرشحين للهجرة باعتبارها أقرب نقطة مغربية إلى أوربا. هؤلاء استقروا بحاضرة البوغاز بعد ماتقطعت بهم السبل وبدؤا في مزاولة أنشطة اقتصادية بسيطة كانت أرضية أولى لاندماجهم داخل المجتمع الطنجي الذي شكل إلى اليوم فسيفساء غنية ومتنوعة الأصول.
ماهي أكثر مناطق المغرب تصديرا للهجرة الداخلية نحو طنجة؟
إنها منطقة سوس. لقد شكلت العمالة السوسية دعامة قوية للاقتصاد المغربي في مدن الوسط والشمال عامة، ومدينة طنجة على وجه التحديد وكان كبار التجار يستقطبون صغار البقالة عبر تنظيم دقيق عرف ب “لجنة الضمانة ” تعمل هذه اللجنة على إدماج صغار البقالة القادمين من مداشر سوس ضمن النسق الاقتصادي وتوفير الدعم لهم على شكل قروض، وعندما يتمكنون من تسديد ما بذمتهم يقدمون يد العون لتجار جدد وهكذا دواليك. ولم يقتصر دور السوسيين على تحريك عجلة الاقتصاد فقط بل تعدوا ذلك إلى تجسيد روح التضامن والتكافل الاجتماعيين بالمساهمة في الأنشطة الخيرية مثل بناء المساجد والمدارس.
اعتبرتم قضية تهجير النساء مع فرق الجيش إلى ميدان القتال من الطابوهات المسكوت عنها في تاريخ المغرب، كيف ذلك؟
علينا التأكيد بداية على أن إدارة الحماية عملت على تزويد الجبهة الفرنسية بأعداد متلاحقة من نساء المواخير المتنقلة ما بين سنتي 1934م و1947م، كما أرسلت مجموعة منهن إلى جنودها في الفيتنام سنة 1946م، وكانت فرنسا قد أنشأت عدة مواخير في مدن متفرقة من المغرب كالدار البيضاء والرباط والمحمدية والعرائش، وأنشأت أحياء متنقلة لمرافقة الكتائب العسكرية في مسارح العمليات تعرف اختصارا ب ” B.M.C” وتُسمى النساء ب ” النساء الخاضعات” أو “مجندات الجنس”.
وتبتدئ أطوار رحلتهن بعد التعبئة التي يقوم بها الأطباء وضباط الشؤون الأهلية وضباط الشؤون الإسلامية في أوساط النساء عند زيارتهم للمراكز الإدارية، فيتم تجميع المرشحات في مراكز الحاميات العسكرية الجهوية قصد تزويدهن ب “الحزمة العسكرية”، بعد ذلك يتم إصدار الأوامر بتوجيههن إلى ثكنة بالقرب من مدينة الدار البيضاء لتعيينهن بالفيلق الذي سيصاحبنه، تحت إشراف إحدى الوسيطات، بعد ذلك يتم ترحيلهن إلى مدينة وهران بالجزائر على متن شاحنة عسكرية، ليجدن السفينة التي تقلهن إلى فرنسا أو إلى الهند الصينية لمباشرة مهمتهن التي لا تخلو بدورها من المخاطر، إذ غالبا ما يكن عرضة للإصابة بقذائف الهاون والأعيرة النارية.
هل هناك دراسات تقربنا من هذه الظاهرة أكثر؟
لا تتوفر حاليا أية دراسة تقدم أرقاما دقيقة وبيانات حول عدد النسوة اللائي تم تهجيرهن إلى فرنسا في الفترة المدروسة إذا ما استثنينا بعض الإشارات المتفرقة في بعض الدراسات مثل التي أنجزها الطبيبان “ماثيو” و”موري” حول “بوسبير” الدار البيضاء، والدراسة التي أنجزتها الكاتبة الفرنسية “كريس طالطارو” حول الدعارة الكلونيالية وبعض الوثائق المتفرقة في الأرشيف الفرنسي ب”باريس” و “نانط”، لكن السؤال الأهم طرحه في هذا المضمار هو لماذا غاب موضوع تهجير النساء عن اهتمام الباحثين المغاربة؟
ألا يمكن أن نرجع ذلك إلى قلة أعداد النسوة اللائي طالتهن هذه الهجرة؟
علينا أن نتفق أولا على أن القلة تدل على الوجود وهذا ما يهمنا في هذه المرحلة، ولا يمكننا الاعتماد على التخمينات في مسألة كهذه، الموضوع في حاجة إلى تعميق البحث فلربما كان دليلا إلى توظيفات أخرى للمرأة المغربية في تلك الفترة غير التي وقفنا عليها، الأهم أن لا يبقى الأمر طابوها مسكوتا عنه.
وماذا عن موضوع تجارة العظام البشرية؟
هو من بين الموضوعات الحساسة كذلك تقوم فكرته على كون دول أوروبا الغربية كانت تستورد عظاما أدمية من المغرب على أنها عظام حيوانات من أجل تحويلها إلى مواد للطلاء، وقد ألف الدكتور سمير بوزويتة حول الموضوع تأليفا فريدا وسمه بعنوان “قضايا شائكة في تاريخ المغرب تجارة العظام البشرية في مغرب القرن 19 ومطلع القرن 20″، طرح من خلاله جملة من الأفكار التي ستشكل طفرة في حقل التاريخ ومجال العلوم الانسانية بصفة عامة، وهي معززة بمادة وثائقية غزيرة طالما كانت في متناول الباحثين، لكن لا أحد انتبه إليها ليُكتب لهذا الباحث أن يدخل التاريخ من أبوابه الواسعة.

عظام المغاربة قد تحولت بواسطة التهريب إلى أصبغة لناطحات السحاب في باريس وإنجلترا وإسبانيا والبرتغال وألمانيا وإيطاليا.. إنه أمر فظيع ..فظيع جدا..
ولنا أن نتخيل الظروف التي أوصلت الإنسان إلى العيش على نبش القبور، وكيف أن الضمير البشري وصل إلى مرحلة التجرد وأن عظام المغاربة قد تحولت بواسطة التهريب إلى أصبغة لناطحات السحاب في باريس وإنجلترا وإسبانيا والبرتغال وألمانيا وإيطاليا.. إنه أمر فظيع ..فظيع جدا..
وعلى العموم فالمواضيع التي بات يهتم بها حقل التاريخ في الآونة الأخيرة هي قضايا دقيقة جدا من شأنها التأسيس لمرحلة جديدة من المعارف وجيل جديد من الكتاب..
شكرا دكتور سعيد على سعة صدركم وحسن تجاوبكم.




