كُتّاب وآراء

أسامة النجاري :ماذا تعرفون عن العفو؟

اسامة النجاري

لتوضيح الموضوع إليكم مقتطف من عرض من إعداد طلبة ماستر العدالة الجنائية والعلوم الجنائية بفاس (الفوج السابع) في مادة علم العقاب، تحت عنوان: بدائل الاعتقال الاحتياطي وأساليب الإدماج.

تقديم:
العفو إجراء يعفى به المدان من تنفيذ العقوبة وهو شديد القدم حيث كان يمارسه كبير القبيلة أو الملك. باعتباره صاحب السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، ونتيجة للصراع الذي قام بين هده السلطات ومنازعة الملك فيها، ظل كبير الدولة أو الرئيس هو من يعود له هذه الحق لاعتبارات أدبية واجتماعية بخلاف الماضي حيث كان يستمد من مبدأ أن الملك مصدر للقضاء.
من هنا نتساءل عن الكيفية التي نظم بها المشرع المغربي العفو وسبل الاستفادة منه؟ ثم الآثار القانونية والاجتماعية للعفو. وأهم الانتقادات الموجهة لمؤسسة العفو؟

المحور الأول: العفو في التشريع المغربي
بتاريخ 19 أبريل 1956 وبالتزامن مع فترة الاستقلال صدر الظهير الشريف عدد 1.56.091 قضى بإحداث لجنة “لمراجعة الأحكام الجنائية والعفو”. وقد كان الهدف من هذا الظهير هو منح العفو عن كل الجرائم التي كان باعثها سياسي أو وطني خلال فترة الاستعمار. وبعده بسنتين جاء ظهير العفو بتاريخ 6 فبراير 1958 تحت رقم 1.57.387 حيث ألغى الظهير الأول، وقد عرف هذا الظهير عدة تعديلات منذ إصداره أهمها تعديل 8 أكتوبر 1977، وكان آخر تعديل لحق هذا الظهير هو تعديل 26 أكتوبر 2011 وذلك لتبديل مسميات اقتضاها تنزيل بنود دستور 2011. وبالرجوع إلى الفصل 8 من هذا الدستور نجد أنه ينص “يمارس الملك حق العفو”. كما أكد هذا الحق الفصل 53 من القانون الجنائي المغربي، حيث اعتبر العفو من حقوق الملك. والعفو نوعان إما عفو شامل (عام) أو خاص.
فالعفو الشامل: هو العفو الذي يكون بنص تشريعي كما تقضي بذلك المادة 51 من القانون الجنائي، ويهدف إلى محو الصفة الإجرامية عن الفعل الإجرامي فيصبح في حكم المباح ويمحو الدعوى العمومية ويمكن أن يصدر قبل أو أثناء إقامة الدعوى العمومية أو بعد صدور الحكم فيها. وهو غالبا ما يتعلق بوقائع إجرامية معينة وقعت في زمان ومكان معين.
أما العفو الخاص: فيقصد به منحة أو قرار صادر عن السلطة التنفيذية متمثلة في الملك لفائدة المحكوم عليه. وبالرجوع إلى الفصل 58 من الدستور نجده ينص على: “يمارس الملك حق العفو” وبذلك أوجد شرعية دستورية لمؤسسة العفو ويباشر هذا الحق طبقا للفصل 51 من القانون الجنائي ووفق الآليات التي نص عليها ظهير العفو ويضم14 فصلا نظم خلالها المشرع المغربي العفو الخاص وكيفية الاستفادة منه ومن لهم الحق في طلب العفو، ويمكن ان يصدر العفو قبل تحريك الدعوى العمومية أو خلال ممارستها وهذا ما يشكل علاجا ناجعا لوضعيات شاذة قد تنشأ في هذه المراحل من الدعوى العمومية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن هناك بعض الجرائم لا يتم العفو فيها. رغم عدم النص عليها في ظهير العفو أو قانون آخر ومن بينها جرائم المخدرات والاتجار فيها، جرائم الاغتصاب…
كيفية اقتــراح العفــو:
نص الفصل الثامن من ظهير 6 فبراير 1958 وفق آخر التعديلات على أن العفو يشمل الفرد والجماعة فيصدر العفو الفردي إما مباشرة وإما بطلب من المحكوم عليه أو من أقاربه أو أصدقائه. ومن النيابة العامة أو من المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج. أما العفو الجماعي فيصدر بمناسبات دينية او وطنية
وتدرس ملتمسات العفو لجنة خاصة نص على تأسيسها بالرباط الفصل التاسع من ظهير العفو وحسب الفصل العاشر من نفس الظهير تتألف لجنة العفو من:
*وزير العدل أو مفوضه بصفته رئيس.
*المدير العام للديوان الملكي أو مفوضه.
*الرئيس الأول لمحكمة النقض أو ممثله.
*الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض أو ممثله.
*مدير الشؤون الجنائية والعفو أو ممثله.
*المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج أو ممثله.
*السلطة الحكومية المكلفة بالدفاع الوطني إذا كان الأمر يتعلق بعقوبات أصدرتها المحكمة الدائمة للقوات المسلحة الملكية.
*يتولى كتابة اللجنة موظف تابع لوزارة العدل.
وتعقد اللجنة اجتماعاتها بالرباط بتواريخ يحددها وزير العدل
بالإضافة إلى ما سبق فإنه يمكن أن تلتمس العفو اللجنة الإقليمية المنصوص عليها في المادة 620 من قانون المسطرة الجنائية. والتي تكلف بمراقبة ظروف نزلاء المؤسسات السجنية، من صحة وأمن ونظام غذائي. وطبقا للفقرة الثانية من المادة 621 من قانون المسطرة الجنائية يمكن لهذه اللجنة أن تقدم إلى لجنة العفو توصية بمن يظهر لها من المعتقلين استحقاقه للعفو.
أما قاضي تنفيذ العقوبات فيمكنه تقديم مقترحات العفو استنادا إلى الفقرة 7 من المادة 596 من قانون المسطرة الجنائية. وأورد أن أبرز دور مديرية الضبط القضائي في المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج. في مجال مسطرة العفو. خاصة قسم مراقبة وتتبع تنفيذ العقوبات. مصلحة العفو والإفراج المفيد بشروط ويتجسد دور هذه المصلحة في:
– السهر على مراقبة لوائح المقترحين للاستفادة من العفو الملكي الواردة عن مديرية الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل.
– ضمان تنفيذ مقتضيات ظهير العفو ومعالجة المشاكل الطارئة بالتنسيق مع المؤسسات السجنية وتوجيهها إلى مديرية الشؤون الجنائية والعفو.
– السهر على إعداد الحالات الجنائية لطلبات العفو.
– مراقبة وإحالة اقتراحات العفو الواردة من المؤسسات السجنية.

المحور الثاني: الآثار القانونية والاجتماعية للعفو وأهم الانتقادات الموجهة لهذه المؤسسة.
الآثار القانونية للعفو:
إن للعفو الشامل، والذي يصدر في إطار عمل تشريعي بظهير، آثار مهمة على مستوى الفعل الإجرامي المراد العفو عنه إذ أنه ينصب على الفعل ويزيل عنه الصفة الإجرامية ويصبح بذلك فعل مباحا فآثاره الجنائية تضع حد متابعة جنائية أو تحريك للدعوى العمومية أو ممارستها. ويلاحظ أن العفو الشامل في المغرب لم يقع اللجوء إليه عمليا عن طريق السلطة التشريعية حتى الآن. ولعل ذلك راجع إلى أن العفو الخاص باعتباره حق للملك دستوريا أصبح واسعا وله نفس آثار العفو الشامل القانونية.
إلا أن العفو الخاص هو إجراء لا يمس الجريمة ولا يزيل عنها الصفة الإجرامية، بل ينصب على الدعوى العمومية ويحول دون ممارستها أو يقف سيرها ولو أمام محكمة النقض وذلك طبقا للفقرة الأولى من الفصل الثاني من ظهير العفو. بالإضافة إلى هذا فإن للعفو الخاص آثار قانونية مهمة على مستوى العقوبة إما بالإعفاء من تنفيذها، أو استبدالها، أو إلغائها كليا أو جزئيا، بما في ذلك قيود الأهلية وسقوط الحق غير أن آثار العفو لا تمتد إلى التدابير الوقائية إلا إذا ورد التنصيص على ذلك في مقرر العفو صراحة.
على المستوى الاجتماعي:
فإن للعفو آثار مهمة خاصة على مستوى نفسية السجناء المحكوم عليهم بعقوبات طويلة المدة. إذ تشكل مؤسسة العفو بالنسبة إليهم بارقة أمل. إذ غالبا ما يكون الهدف الأول لانخراط السجين في البرامج التعليمية أو التكوينية، هو التأهيل للاستفادة من العفو.
ولعل الآثار المهمة للعفو بالنسبة للمندوبية العامة لإدارة السجون هو التخفيف من ظاهرة الاكتظاظ التي تعاني منها السجون المغربية حيث يشكل العفو إحدى آليات السياسة الجنائية المغربية بتوسيع دائرة المستفيدين منه إما لأسباب إنسانية أو اجتماعية ومثال ذلك العفو الذي صدر في الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء حيث استفاد منه أزيد من 4000 سجين.
أهم الانتقادات الموجهة لهذه المؤسسة:
إن أغلب التعديلات أو الترميمات التي لحقت ظهير العفو إما لأسباب سياسية أو لأسباب تقنية اقتضاها تحيين التشريع. ودون ذلك فقد بقي الأمر بمثابة “الطابو” الذي لم يجرؤ على الاقتراب منه السياسيون والبرلمانيون. اللهم بعض الدراسات الأكاديمية، إلى أن وقعت حادثة “دانييل كالفان” هذا الأخير الذي وقع خطأ في العفو عنه حيث كان قد أدين ب 30 سنة سجنا على جرائم اغتصاب في حق أطفال بمدينة القنيطرة ولم يمر على الحكم عليه إلا فترة ثلاث سنوات. مما شكل صدمة للرأي العام المحلي والوطني وقد تم التراجع عن هذا العفو بتاريخ 4 غشت 2013 ببلاغ للديوان الملكي وتعتبر هذه سابقة في تاريخ العفو الملكي بالمغرب. وقد تم بعد ذلك إلقاء القبض على الشخص المذكور وهو يقضي عقوبته في إسبانيا بعد أن استجاب القضاء الإسباني لطلب المغرب في هذا الشأن.
إن قصور ظهير العفو تسبب في تأويلات مختلفة للقضاء بخصوص استمرار الدعوى العمومية من عدمها. وهذا ما يؤدي إلى اهتزاز الأمن القضائي بخصوص مسألة العفو. حيث صدر عن محكمة النقض قرار عدد 783/4 بتاريخ 20-12-2012 يقضي “بأن العفو الملكي السامي لا يشمل الجرائم المدان بها الطاعن وإنما ينصب على الجزء المتبقي من العقوبة السجنية المحكوم بها عليه. مما يتيح لهذه المحكمة البت في طلب النقض”. وهذا ما يناقض القرار الصادر بتاريخ 30-12-2009، عدد 1717/4. إذ اعتبر أن الطعن قد أضحى غير ذي موضوع، بعد صدور العفو الملكي وأن الدعوى العمومية قد توقفت”. لذا كان ضروري إعادة النظر في ظهير العفو بسن نصوص واضحة لتلافي هذا التناقض.
وفي الأخير لابد من الإشارة إلى أن للعفو انعكاسات سلبية بالنسبة لحالات العود حيث إن العفو عن السجناء المحكوم عليهم بمدد قصيرة دون خضوعهم لأي تكوين أو تأهيل يؤدي بدون شك إلى عدم انسجامهم في المجتمع وبالتالي ارتكاب جرائم جديدة ويعودون إلى السجن.

أسامة_النجاري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى