ثقافة

“الهامش والمهمش” محور مؤلف تأريخي جديد يبحث أشكال التوغل الاستعماري والمقاومة وتدبير الثروات

 

تعززت الخزانة التاريخية المغربية حديثا بإصدر كتاب: “خفايا وإضاءات حول الهامش والمهمش… أشكال التوغل الاستعماري والمقاومة وتدبير الثروات في تاريخ المغرب المعاصر”، عن مؤسسة دار الأمان بالرباط ومطبعة الأمنية بذات المدينة بتنسيق: سعيد عدي – لبنى بنجلون – عبد الحكيم بوغدا، وذلك بدعم من وزارة الثقافة والاتصال.

ويمكن هذا الكتاب من فهم خصوصيات مرحلة الحماية، وتأثيرها على مسار البناء الوطني بشكل عام، كما انه محاولة لدراسة بنيات الدولة المغربية المعاصرة، في سياق التحولات التي شهدها مجتمع القرن 20م، على كافة الأصعدة والمستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحيث شكلت قضايا الهامش والمهمش مادة لهذا التأليف الجماعي الذي يروم لفت أنظار الباحثين الجدد إلى أهمية القضايا التي أهملها الدرس التاريخي المغربي، والتي تتصل مباشرة بحياة الناس العاديين، وطموحاتهم ومخاوفهم، وكذا إسهاماتهم في النضال الوطني، ودور البادية والمناطق النائية في مقاومة التبعية والهيمنة الاستعمارية التي أرخت بظلالها على مقدرات الوطن، في الهامش كما في المركز.

هي صورة مشرقة إذن، وملحمة شعب؛ يستحضرها المؤلف في سعي وراء فهم أدق لمنطلقات الفكر الاستعماري، وخلفياته، ومخلفات المرحلة، وتبعاتها التي ماتزال تغذي أسئلة الحاضر والمستقبل المغربيين.

ويضم الكتاب 20 مداخلة مقسمة إلى ستة محاور؛ تتوقف في المحور الأول المعنون ب: “الكتابات الفرنسية المعاصرة حول المغرب” عند بعض النماذج من هذه الكتابات، لتسلط الضوء في المقال الأول المعنون ب: “الخلفية الاستعمارية في الكتابات الفرنسية المعاصرة حول المغرب (البعثة العلمية لسنة 1904م أنموذجا)” على ظروف تأسيس هذه البعثة وأهدافها الرامية إلى إنجاز دراسات وتقارير حول بنيات المجتمع المغربي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ في ما يمكن أن نسميه غزوا علميا جاء في سياق تمهيد الطريق أمام الغزو العسكري الذي أعقب توقيع معاهدة الحماية، ونركز من خلال المقال على طبيعة تلك الإنتاجات وأهميتها ضمن المشروع الاستعماري ككل.

المقال الثاني موسوم ب: “المرأة الصحراوية من خلال كتابات الرحالة والمستشرقين” للدكتور عبد الحكيم بوغدا؛ في محاولة منه استكناه حقيقة الصورة التي رسمتها هذه الكتابات حول المرأة البيضانية من خلال طقوس الزواج والطلاق، وكذا المكانة الاعتبارية لهذه الأخيرة داخل مجتمع البداوة الصحراوي، وقد اعتمد الباحث على بعض التقارير العسكرية المنشورة، ومؤلفات الرحالة والمستشرقين ممن كانت منطقة الصحراء وقبائلها موضوعا لإنتاجاتهم.

المقال الثالث وعنوانه: “القبائل التاوناتية في الكتابات الفرنسية: كتاب المغرب المجهول للأنثروبولوجي الفرنسي “أوكيست موليراس” يتوقف من خلاله الباحث حفيض الراضي عند بعض كبوات الإنتاجات العلمية الاستعمارية التي شكل موليراس نموذجا لها، لاسيما استخدامه لمخبر في استقاء المعلومات التي بنى عليها كتابه عن مجال لم تطأه قدماه. حاول الباحث الإحاطة بالصورة التي نسجها هذا الأنثروبولوجي حول القبائل التوناتية خصوصا قبيلة متيوة. وقد وضَّح صاحب المقال مدى تأثير استحضار الكاتب للمجتمع الفرنسي كمقياس للمقارنة مع المغرب على مسار الكتاب ككل.

وعنون المحور الثاني: ب “التشريعات وتدبير الثروات على عهد الحماية”، أفرد للوقوف عند بعض القضايا التي شح حولها التأليف التاريخي الأكاديمي مثل الثروات المائية والبحرية والغابوية؛ حيث قدمت الباحثة لبنى زبير قراءة مذيلة بملاحظات حول “التشريعات المنظمة للمياه بالمغرب مابين سنتي 1912م و1925م من خلال الجريدة الرسمية” لاسيما منها  التشريعات المرتبطة بضبط ملكية الماء، وتنظيم استغلاله، والتي جاءت ضمن ظهائر سلطانية، ومراسيم قانونية صدرت بالجريدة الرسمية خلال الفترة المدروسة، وهمَّت أساسا المرسوم الوزاري لفاتح نونبر 1912م، وقانون فاتح يوليوز 1914م، وقانون 8 نونبر 1919م، ثم ظهير فاتح غشت 1925م. وقد مكنت قراءتها من تتبع التدرج المرحلي لإحداث نظام للمياه بالمغرب، والذي سيكون قاعدة لقانون المياه المحدث سنة 1995م.

المقال الثاني ضمن هذا المحور عنوانه: “تدبير الموارد والثروات البحرية في تاريخ المغرب” وهو خلاصة دراسة أنجزها الباحثان حمدان حيدار والمرتجي بكار بغية الوقوف على الأهمية التي أولاها المغاربة للبحر عبر العصور، وما أُحيط به من غموض، موضحين إلى أي حد كان المغرب ضحية لثرواته البحرية، ومحط أطماع قوى استعمارية متعددة، انتهت بفرض الهيمنة الفرنسية والاسبانية، قبل الشروع في استغلال هذه الموارد ما بعد الاستقلال ليشكل الصيد البحري اليوم من بين المرتكزات الأساسية للاقتصاد الوطني المغربي.

ويأتي، في سياق متصل؛ مقال الدكتورة  نعيمة عبدون بعنوان: “التدبير الغابوي خلال فترة الحماية غابة المعمورة أنموذجا” هذه الغابة التي عرفت أول تدبير تحت إشراف إدارة الحماية الفرنسية سنة 1913م قضى بإنشاء المصلحة الغابوية، ووضع القانون الغابوي سنة 1917م من أجل تيسير سبل استغلالها، وشمل مجموع التشريعات التي شكلت من جهة قاعدة أساسية لتنظيم استغلال الغابات وحمايتها، ومن جهة أخرى وسيلة لإحكام السيطرة الاستعمارية على الغابة لاستغلال ثرواتها، وتوجيهها نحو المتروبول.

ويولي هذا التأليف الجماعي أهمية كبرى للمشاريع والتنظيم الاستعماري بالمغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين، وجاءت ضمن هذا السياق؛ مداخلات المحور الثالث، وعنوانه: “المشاريع السياسية الاستعمارية بالمغرب”.

واستهل هذا المحور بمقال للباحث حسن أدجوز تحت عنوان: “مشروع فرنسا الإصلاحي قبل توقيع معاهدة الحماية” وتركز على دراسة خلفيات بعثة طيانديي إلى المغرب وخلفياتها وردود الفعل المغربية، ثم مقال للباحثة  حبيبة التركاوي، وتطرقت فيه لمنطلقات الصراع الدولي حول المغرب، ودور الدعاية الألمانية بالجنوب المغربي في الحد من طموح النفوذ الإسباني والبريطاني شمالا، والفرنسي على الحدود الشرقية، وذلك بالاعتماد على بعض الزعامات المحلية التي كانت تكنُّ العداء التام لفرنسا؛ خاصة قواد منطقة حاحا وبعض قواد منطقة سوس. قبل أن تتمكن من وضع أولى قواعدها بتأسيس شركة نقابة المناجم المغربية سنة 1909م تحت إشراف الأخوين مانسيمان اللذان قاما ما بين 1911م ويونيو 1912م باستغلال أراضي منطقة تارودانت، وما أسفر عنه ذلك من تـأزم في العلاقات الفرنسية الألمانية إلى حين فتح مفاوضات تعهدت من خلالها ألمانيا بعدم التدخل في شؤون المغرب مجددا. مع إبراز أوجه خرق ألمانيا لهذا الاتفاق بعد اتصالها بأحمد الهيبة الذي أعلن عن معاداته لفرنسا، وسعى في دحر وجودها بالمغرب.

وفي ارتباط كذلك بالسياسة الاستعمارية يأتي مقال الدكتور سعيد توتاي بعنوان: “ملامح من السياسة الاستعمارية بالجنوب المغربي” عند تحولات البنيات المجالية التي عرفها المجتمع الصحراوي خلال الفترة الاستعمارية؛ موضحا كيف عملت فرنسا على إعادة هيكلة السلطة داخل هذا المجتمع القبلي، وذلك بوضع تنظيم إداري محكم خاضع للضبط والمراقبة المباشرة لفرض الأمن وجمع الضرائب؛ سرعان ما تحول إلى حكم مباشر عن طريق القواد.

يليه مقال همَّ المجال نفسه، حيث تناول الدكتور عبد الوفي الخرشي حياة أحد أقطاب السياسة القايدية بالجنوب المغربي القائد محمد ولد الخرشي1887م -1957م، وعلاقاته بقبائل الجوار، ومناوراته لمجابهة الاستعمار الفرنسي، وفرملة أطماعه.

أما المقال الأخير في هذا المحور فعنواناه ب” لْبَّيْسْطُو”.. أو البريد في زمن الرقاس من خلال مذكرات ملازم فرنسي بأسا مابين سنتي 1955م-1956م”. تناول مراحل تنظيم قطاع البريد في المغرب معرجا على وظيفة “الرقاس” وما تنطوي عليه من أسرار، ويبسط المقال مشاهد من حياة الحسان الرقاس بأسا، وتمثلات شخصيته من خلال مذكرات الملازم الفرنسي “هنري بيير بيرانHenri PIERRE PERRIN ” الذي كان آخر ضابط للشؤون الأهلية بمركز أسا قبيل الاستقلال.

وتطرق المحور الرابع لهذا المؤلف للبنيات الاقتصادية والاجتماعية في مناطق الهامش المغربي على عهد الحماية، ونستهله بمقال للدكتورة ادريسية بخشوني بعنوان: “تطور مدينة إيموزار كندر العمراني على عهد الحماية” في محاولة منها للوقوف على مختلف مراحل تطور النسيج العمراني للمدينة، التي دخلت تحت وصاية سلطات الاحتلال بحكم طابعها العسكري في بداية عشرينيات القرن الماضي، لتتحول إلى مدينة شبه أوروبية بعد أن غادرت وظيفتها العسكرية؛ كما خطط لذلك المقيم العام المارشال “لوي هوبير غونزالف ليوطي Louis Hubert Gonzalve LYAUTEY” (1854-1934).

بينما وُسِمَ المقال الثاني ب “البنيات الاقتصادية والاجتماعية لمنطقة وزان (1912-1956) لصاحبه الدكتور محمد أيت تعرابت. تطرق فيه لمرتكزات السياسة العسكرية التي نهجتها فرنسا للاستيلاء على وزان سنة 1920م؛ كاشفا أوجه الصراع الألماني الفرنسي على المغرب بشكل عام، ووزان بشكل خاص مع بداية الحرب العالمية الأولى. معرجا على المقاومة الشرسة التي تلقتها فرنسا من طرف بعض القبائل المجاورة لوزان بقيادة زعماء الزاوية الوزانية في ارتباط بالثورة الريفية واستغلال فرنسا للتناقضات بين بعض زعماء القبائل، وكذا فرع  الزاوية الوزانية.

وعرف المقال الثالث بعنوان “لمحة عن التاريخ الاجتماعي لمنطقة فريطسة على عهد الحماية (مساهمة مونوغرافية)” للباحث سميح قربع الذي، بداية بالمنطقة وبنياتها الاجتماعية في محاوله للإحاطة بمختلف الإشارات التي أوردتها الكتابات الأجنبية وبعض الوثائق المحلية، وحدود الذاكرة الشعبية.

تلاه مقال للباحث زهير الواطلي عنوانه: “طرق وزوايا في مواجهة الاستعمار الفرنسي (نماذج من منطقة دكالة)” يروم من خلاله الوقوف على بعض إسهامات الزوايا والطرق الدينية بمنطقة دكالة (إقليمي الجديدة وسيدي بنور حاليا) في المقاومة؛ مؤشرا على دورها الحضاري وإشعاعها العلمي والصوفي.

بينما توقف المحور الخامس عند إسهامات بعض أقطاب التصوف والجهاد، والثائرين ضد الاستعمار، مع التركيز على بعض الجوانب المغمورة من سيرهم، ودورهم في كبح جماح المد الاستعماري الفرنسي والإسباني؛ فكان دور محمد بن عبد الكريم الخطابي موضوعا لمقال الدكتور رضوان اشعايبي في سياق قيادة منطقة الريف إبان حرب التحرير التي خاضتها المقاومة المسلحة آنذاك، وكانت بمثابة الإنذار الأول الذي وجهه الشعب المغربي إلى القوات المحتلة، ويبين صاحب المقال حجم الوعي الذي ساد خلال تلك المرحلة الحالكة لدى عموم السكان بفعل احتكاكهم المباشر بالأجانب في منطقة مليلية.

وتطرقت الدكتورة مريم مبطول إلى أشكال المقاومة بالزاوية الحنصالية في موضوع متصل عنونته ب” الشهيد أحمد الحنصالي وجهاده ضد الاستعمار”، المقال محاولة للتعريف أولا بمنطقتي تادلا وأزيلال ومعاناة ساكنتيهما مع الاستغلال زمن الاستعمار. ذلك قبل بروز المقاومة الشعبية والكفاح المسلح، الذي أطره الشهيد محمد أحنصال  بعد إعلان ثورته في ماي 1951م.

واشتركت كل من الدكتورة شريفة بوتومزين والدكتورة بشرى فراحي في مقال بعنوان “ثورة الباشا البخاري من داخل الإدارة الاستعمارية” يقربنا هذا المقال من بعض كبوات الإدارة الاستعمارية في إطار سياسة القواد من أبرزهم بمكناس: باشا المدينة “بنعيسى بن عبد الكريم البخاري” الذي انقلب على الإدارة الاستعمارية، وعارض أهدافها التوسعية، وشكلت ثورته بداية لانطلاق شرارة المقاومة الشعبية بمكناس، قبل أن تمتد لتشمل هوامش المدينة وقراها.

ويفتتح المحور السادس والأخير وعنوناه ب “خفايا وتجليات فكر المقاومة والفداء” بمقال للدكتورة لبنى بنجلون حول ” علماء القرويين بفاس في مواجهة الاستعمار الفرنسي” أبرزت من خلاله كيف شكل هؤلاء العلماء أرستقراطية حضرية منفتحة ومتحركة، كانت نواة للمجتمع وركيزته الأساسية، قبل أن يفصل اختلاف المواقف بين كبار العلماء حول الأحداث والقضايا التي شهدها المجتمع المغربي في ذلك الإبان.

وبغية سبر أغوار العمليات الجهادية؛ نطالع مقال “تنظيم الخلايا السرية بالرباط وسلا وزمور وزعير على عهد الحماية” للدكتور مولود رشاد الذي تتبع مسار تنظيم الخلايا السرية للمقاومة، وأدوارها، وروادها الذين جسدوا على أرض الواقع عقيدتهم الراسخة المتمثلة في ضرورة التصدي للاستعمار بكل الوسائل الممكنة، والنتيجة كانت تأخير السيطرة على مجال قبائل زعير سنة كاملة من توقيع الحماية، إشعال فتيل ثورة 20 غشت 1953م.

واختتم بمقال الدكتورة  فاطمة صيفار بعنوان: “قبائل الشاوية في مفترق الطرق”، وقفت من خلاله على مجمل التحولات التي عرفتها منطقة الوسط المغربي، لاسيما منطقتي الشاوية والدار البيضاء؛ حيث وجدت قبائل المنطقة كيانها في مواجهة التدخل الأجنبي المباشر، وما نتج عنه من صدام، تلته هجرة داخلية واسعة للسكان من الشاوية إلى الدار البيضاء؛ عاشوا بعدها ثلاثة أيام بلياليها على وقع أعمال الذبح والتخريب. أعمال اهتزت لها مختلف بلدان العالم تعاطفا أنذاك، في حين أذكت مطامع ألمانيا التي أرخت العنان من جديد لدعايتها في المنطقة عن طريق المصرفي مانسيمان في محاولة لتأليب قلوب السكان ضد السلطان.

و انطلاقا من هذه النبذة المختصرة حول مضامين المساهمات الواردة في الكتاب يظهر عمق إدراك تيمة الهامش والمهمش على اختلاف مستوياتهما؛ محاولة تعكس مدى القدرة على إنتاج أسئلة جديدة حول الأصول الثقافية لهويتنا وذاكرتنا المغربية المشتركة. نأمل أن نكون موفقين في الامساك بخيوطها الناظمة، وامتداداتها المتشعبة.

ويعد هذا الكتاب حسب القائمين على اصداره، إهداء وتكريما للأستاذين؛ الدكتور سمير بوزويتة والدكتور لحسن أوري على سبيل الاعتراف بما قدماه من جهود وإسهامات للنهوض بمستوى البحث التاريخي تكوينا وتأطيرا، وتأليفا واهتماما بقضايا الهامش والمهمش بجامعة فاس.

ويشار أنه سيتم اصدار لمؤلف لاحق يصدر في بحر سنة 2020، تكون باقي المقالات التي لم يتم ادراجها في هذا المؤلف موضوعا له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى