الثلاثاء 18 يونيو 2019

مباراة الوداد البيضاوي و الترجي التونسي حفل كروي يضرب في العمق صورة العالم العربي/الإفريقي

سمية زيرار.

سيكون أمامنا الكثير من الوقت كعرب لنتعلم التعامل برقي، تأتي المواقف الصعبة لتكشف الحقائق. معرفة المرء تكون من خلال سبر أغواره،لكننا أحيانا نجتاز مواقف تجعل كل ما كان مخفيا في العمق يطفو للسطح، كاشفا ما تم طمره في القعر،وهذا ما حدث بالضبط خلال المباراة الكروية التي جمعت مؤخرا بين الفريق المغربي الوداد البيضاوي  و الترجي التونسي .

أعلن الحكم الغامبي باكاري غاساما نهاية مباراة  الإياب لنهائي دوري أبطال أفريقيا غير مكتملة الأشواط، بعد توقف المباراة لأكثر من ساعة بسبب خلل تقني على مستوى تقنية حكم الفيديو المساعد.

وكان قد سجل يوسف بلايلي هدف التقدم للترجي التونسي في الدقيقة 41، قبل أن تتوقف المباراة في الدقيقة 60 بعد رفض الحكم العودة إلى الفار من أجل التأكد من صحة قراره بإلغاء هدف سجله وليد الكرتي لصالح الفريق المغربي.

واستمر التوقف لأكثر من ساعة و  تبين  خلالها أن تقنية الفيديو غير متوفرة لسبب تقني، ما دفع رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم  أحمد أحمد بالنزول  إلى أرضية الميدان ومحاولة التوصل إلى حل مع مسؤولي الناديين،وعندما فشل الحوار أعلن الترجي التونسي فائزا .

المشكل يتجاوز عندي و عند كل فطن بالأحداث حد مباراة كروية،ليبلغ مبلغ تجسيد عقلية عربية همجية،فرغم كل ما ندعييه من حداثة و تحضر،وكل ما ندعوا إليه من حرية و انفتاح لا يعدوا أن يكون شعارات فارغة،لأنه في أعماقنا مازلنا عربا همجا،لا نتقن سوى فن التطاحن،والبحث عن الأفضلية.

لازلت أذكر ما حكى التاريخ عن بطون قريش التي وضعت الدم فاصلا لمن يكون له شرف حمل الحجر الأسود خلال عمليات إعادة بناء الكعبة.

الكل كان يسعى لنيل  شرف وضع الحجر الأسود في  مكانه،وهو سعي مشروع لا عتب عليه،لكن العتب على الأسلوب العربي في حل النزاعات لماذا دائما نلجأ للعنف بدل النقاش ؟

فبدأ النزاع  وقتها بين أشراف مكة حول  هذا الشرف العظيم،فزاد النزاع بينهم  لدرجة أقسم بنو عبد الدار،وقد كانوا  على رأس الكعبة آنذاك، وقالوا نحن حجبة الكعبة والله ما يضع الحجر الأسود غيرنا وأتوا بإناء دم ووضعوا أيديهم فيه ورفعوها، وقالوا والله ما يضع الحجر الأسود غيرنا إلا بالدم، وعندها جاء  بنو مخزوم فأتوا  بإناء  دم وقالوا نفس الذي قيل ،ما نترك هذا إلا بالدم ،وفعل بنو عدي بن كعب نفس الشيء،اشتد الخلاف،وبدت شرارة القتال تشتعل  لنيل  شرف وضع الحجر الأسود مكانه،إلا أن حل على القوم  أبو أمية بن المغيره قائلا : يا قوم على ما تفنوا أنفسكم إذا اقتلتم من يبقى فى قريش فتعازموا على تحكيم أحدهم.
فوافقت سادة قريش المتنازعة وتعاهدوا على قبول الحكم.
فقالوا لابو أميه : من نحكم ؟!
قال : تحكمون أول من يدخل من باب بني شيبة
فقالوا : أجل
وبينما هم منتظرون إذ دخل النبي محمد  من ذلك  الباب ،قالوا: الصادق الأمين الصادق الأمين رضينا رضينا، وبعدما حكوا للنبي قصة النزاع الذي كان  بينهم،نزع النبي ثوبه  ووضعه على الأرض وحمل  الحجر الأسود بيديه ووضعه على الثوب ثم نادى ساده قريش وقال : احملوا الثوب، فاشتركوا جميعا  في حمل الحجر الاسود حتى رفعوه إلى مكانه ثم رفع النبي الحجر الاسود من الثوب ووضعه في مكانه، وهكذا حل النبي مشكلة صغيرة  كادت تقود القبائل إلى قتال حامي الوطيس، فالمشكلات تحتاج لرشفة من الحكمة و المنطق،فلم يكن يوما العنف حلا .

لكن لماذا كعرب لم نقتنع بعد بالفكرة،لا أدري!

ما حدث على أرض تونس خلال المباراة من عنف تجاه اللاعبين المغاربة،و كذلك الفوضى و القتال الذي كادت ناره أن تستعير لولا حكمة القرار في إعلان فوز الفريق التونسي،خوفا من سخط الجمهور،الذي كان سيشعل الملعب فوضى،فذلك ما أوحت به ردود فعلهم،تجسيد صارخ لعقلية عربية عقيمة لا تجيد فن الخلاف،ولا تتقن فنون المنافسة الشريفة،التي تقوم على أسس و قواعد منطقية .

العنف سلوك يلجأ إليه الفرد عندما تبور سبل المنطق، ما يعني أن العرب لا منطق لهم.

فحل الخلاف  عندنا يتم باستعمال بالعنف،القيادة في الأسرة تتم من خلال العنف،التعامل مع المرأة يقتضي العنف،الدعوة للدين تتم بأسلوب العنف في النقاش و قد تمتد للعنف الجسدي ،الدعوة للتحرر بالعنف اللفظي و السب.

نحن لا نتنازل مطلقا و في كل مرة على تسويق أنفسنا للعالم بصورة غير متحضرة،المباراة الكروية لا تخص الفريقين،إنما تعبر عن  مباراة بين فريقين من أمة عربية،وكل السلوكيات التي حدثت هي تعبير عن مبادئ و عقليات الأمة العربية،وعقليات إفريقية لأنه لا يمكن أن نتجاهل التحكيم الإفريقي و كذلك مسؤولية الاتحاد الأفريقي لكرة القدم عن المهزلة.
لا زلت أذكر تعليقا لأحدهم عن الأمر،قائلا افريقيا للحيوانات فقط،وأنتم تزاحمونها !؟؟

بهذه التصرفات سيظل العالم العربي/الإفريقي في نظر العالم مرتعا للأوباش،الذين تحل دمائهم و ثرواتهم،فللآن لم نثبت للعالم أننا بشر حقا،لنا من الفكر و الوعي ما هو كفيل بخلق رجة في ميزان قوى العالم.

سيأتيني أحدهم و يقول العالم العربي و الإسلامي والإفريقي قدم للعالم الكثير من العلم و كان سببا في كثير من الطفرات العلمية،لن أنكر،لكن سأقول بملء فمي نحن فشلة في التسويق لأنفسنا.

العالم الغربي لا يخلوا من السلبيات لكن المحافل و المحافل الكروية تكون منظارا للعالم على حضارة الشعوب،وهم مدركون جدا لهذه النقطة،و تستغل من طرفهم على أحسن وجه،أبطالهم صاروا بالنسبة لنا قادة يحتدى بهم من لا يعرف ميسي أو كريستيانوا،من لا يتابع أخبارهم بما فيها حياتهم الشخصية الخاصة،لا لشيء إلا لأنهم أعطوا للعالم صورة تستحق الشغف رغم كل السلبيات التي تحتدم بها الكواليس.

نحن دائما نصدر للعالم ملخصا يقول أن الإنسان العربي/الإفريقي إنسان فاشل ضعيف يلجأ للعنف ليتبث جدارته.
لماذا في سعينا نحو الأفضلية و التميز نصبح عدوانيين ولا نخجل من الجهر بعدوانيتنا ؟و هذا ما يدفعني للسؤال عن ماهية التميز،هل هو صفة ننالها تلقائيا كرد فعل لأفكارنا،مواقفنا،وسلوكياتنا؟ أم هي مجرد وسام سوقي نناله بالقوة لأنه لا سبيل لنا إليه فكريا ؟!

كلماتي ليست ذا طابع يميل فيه الحبر للفريق المغربي،كوني مغربية،فاللوم في كلماتي موجه للفريقين و كذلك للإتحاد الإفريقي لكرة القدم،لأنهم مسؤولون أمام العالم ككل عن تصرفاتهم،وكما أسلفت الذكر أن هذه المحافل تكون محط أنظار العالم،فلماذا دائما نضع أنفسنا في إطار العرب/الأفارقة المتطاحنون لنيل الأفضلية.

شاهد أيضاً

امتحانات البكالوريا…عيوب واختلالات وأوهام وانعدام تكافؤ الفرص

عبد الكريم فارنسي سنة بعد أخرى ونظام الامتحانات والمنظومة التعليمية عموما تزداد اعوجاجا والسفينة تغرق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اكيد 24