الإثنين 20 مايو 2019

التمثيلية المغربية في نظام طنجة الدولي… أشكال الحضور وواقع الممارسة

محمد العشوري.

صدر حديثا للباحث سعيد عدي، كتاب “المغرب والنظام الدولي لمنطقة طنجة 1923-1956” عن مؤسسة دار الأمان للتوزيع والنشر ومطبعة الأمنية بالرباط، وبدعم من وزارة الثقافة والاتصال، الكتاب يقع في 320 صفحة من القطع المتوسط.

ويعد الموضوع الذي يتناوله  الكتاب من الموضوعات التي انعدم حولها التأليف بسبب تواري الأرشيف الدبلوماسي للمنطقة منذ فجر الاستقلال؛ ما أبقى مدارك المغاربة محدودة حولها، وهو الأمر الذي غيب هذا الموضوع عن المقررات والمناهج الدراسية الثانوية وعن مسالك الدراسات الجامعية في شعبة التاريخ بالجامعات المغربية.

وحسب المؤلَّف فقد ارتكز النظام الدولي نظريا على مبدأ سيادة السلطان على منطقة طنجة الدولية، لكن واقع الحال كان عكسيا بحيث تم تأسيس مجالس دولية من أجل تدبير الشأن المحلي عُهد إليها باختصاصات واسعة، وهي المجلس التشريعي والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية ومجلس المراقبة.

المجلس التشريعي الدولي:

تكون المجلس التشريعي الدولي من 27 عضوا، انقسموا إلى مجموعتين، مثلت الأولى الجاليات الأوربية بالمغرب وقوامها 18 عضوا يعينون من قبل قناصل بلدانهم من بينهم أربعة فرنسيين، وأربعة إسبان، وثلاثة بريطانيين، وثلاثة إيطاليين، وثلاثة روسيين، وهولندي واحد، وبلجيكي واحد، وأمريكي واحد، وبرتغالي واحد، وقد انبنى التفاوت العددي هذا على الأهمية العددية لكل جالية، وأهمية ممتلكاتها العقارية، وحجم الحركة التجارية لبلدانها، أما المجموعة الثانية فتمثل السكان الأصليين لطنجة وقوامها تسعة أعضاء من بينهم ثلاثة يهود يعينهم المندوب باقتراح من رئيس الجماعة اليهودية بالمغرب، وستة من المسلمين يختارهم المندوب. وعموما اشتُرط في الأعضاء أن يكونوا من سكان المدينة المقيمين لفترة لا تقل عن السنة، وأن لا تقل أعمارهم عن 25 سنة، وأن لا يكونوا من موظفي إحدى القنصليات أو موظفين تابعين لإدارة المنطقة، كما اشترط التوفر على عقار(ملك أو كراء) لا تقل قيمته عن 600 فرنك فرنسي. عينت كل دولة ممثلها داخل المجلس وتم إعلام المندوب بذلك.

كان المجلس يجتمع كل شهر في جلسة عادية، أو دورة استثنائية عند الاقتضاء، يعقد دوراته في مقر المندوب وتحت رئاسته بمساعدة أربعة خلفاء أجانب (فرنسي، إسباني، إيطالي، إنجليزي). واقتصر دور المندوب في إبداء الملاحظة رغم ترأسه للجلسة، ولم يكن له حق التصويت أو المشاركة في الجلسة التي اعتمدت فيها اللغة العربية إلى جانب اللغتين الفرنسية والإسبانية، واتخذت القرارات في حالة التصويت بالأغلبية ونشرت المقررات باللغات الثلاث. وتجاوزت المقررات أحيانا الجانب الإداري إلى الجانب المالي في حالة الاضطرار إلى استحداث ضرائب، بيد أن صلاحيات المجلس التشريعي بقيت مقيدة بمصادقة لجنة المراقبة التي تعرض عليها في ظرف أقل من ثمانية أيام للموافقة عليها، ولم يكن للمجلس التشريعي حق تعديل أو إلغاء القوانين التي تم الاتفاق عليها في منطقة نفوذ فرنسا وإسبانيا وأقرتها لجنة المراقبة بالإجماع، كما لا يمكن إلغاء أو تعديل النصوص التنظيمية والمالية خلال السنتين الأوليين، وبعد انتهاء هذه المدة اتخذت الموافقة المذكورة شرطا أساسا من أجل الإلغاء أو التعديل.

المدير التنفيذي لمنطقة طنجة:

أما السلطة التنفيذية فيمثلها مدير أجنبي بالتناوب من بين رعايا الدول الموقعة على عقد الجزيرة الخضراء، على أساس أن يكون بداية الأمر من جنسية فرنسية، ويعين من قبل السلطان بإيعاز من القنصل الفرنسي. وبعد انقضاء السنوات الست الأولى، تم تعيين خلفاء المدير من قبل المجلس التشريعي يساعده مدراء مساعدون ورئيس الشرطة، وتمتد السلطة التنفيذية على كل مصالح إدارة المنطقة باستثناء الجمارك، وبإمكانه إدخال الإصلاحات التي يراها ضرورية على الصعيد الإداري والاقتصادي والمالي والقضائي. رغم اتساع صلاحيات هذا الأخير إلا أنها لم تكن مطلقة، إذ تعين عليه عرض قرارات المجلس التشريعي على لجنة المراقبة قبل تنفيذها، ومن ثم عرضها على المصالح المختصة التي تضمن تنفيذها تحت إشرافه. عموما، يمكن اعتبار مدير السلطة التنفيذية مقيما عاما بمنطقة طنجة الدولية.

لجنة المراقبة:

فيما تشكلت لجنة المراقبة من جميع قناصل الدول الأجنبية الموقعة على عقد الخزيرات )ما عدا النمسا وألمانيا( وتمثلت مهمتها في مراقبة السلطتين التشريعية والتنفيذية، وكانت تجتمع لجنة المراقبة مرتين كل شهر تحت رئاسة دورية سنوية لكل واحد من أعضائها على ترتيب حروف الهجاء لبلدانهم، ومن أجل الاضطلاع بمهام المراقبة حظيت اللجنة بصلاحيات واسعة تصل إلى حد استدعاء المدير والاستماع إليه ومطالبة السلطان بتعويضه بأغلبية ثلاثة أرباع الأعضاء، وكان يتم تلقي جميع القوانين والتنظيمات التي يصوت عليها المجلس التشريعي عن طريق المدير في أجل لا يتعدى ثمانية أيام، للبث فيها ونقضها أو حتى إلغائها في أجل لا يتعدى خمسة عشر يوما، حيث يتم إخضاعها للتصويت بالأغلبية، وتتلقى لجنة المراقبة كذلك مشروع الميزانية، من أجل المصادقة عليه أو رفضه إن اقتضى الأمر وإعادته إلى المجلس التشريعي، كما حظيت لجنة المراقبة بصلاحية تعيين كبار الموظفين، وإقرار مختلف الإجراءات السياسية، وإضفاء طابع الشرعية عليها خصوصا فيما يتعلق بمراقبة الصحف والسماح بدخول الأجانب أو طردهم وملاحقة المتابعين على خلفيات قضايا سياسية.

السلطة القضائية:

تشكلت السلطة القضائية من الشرطة المدنية والمحاكم المختلطة. هذه الأخيرة تم إحداثها استجابة لمطالب الأوربيين قصد منحهم المزيد من الضمانات لحماية أنشطتهم التجارية وثرواتهم. فيما تكونت الشرطة المدنية من عناصر مغربية يحدد عددها المجلس التشريعي، تحت سلطة عميد يعينه المجلس بإيعاز من المدير الذي يتولى رئاستها مع فرقة الدرك التي تتكون بدورها من 250 فردا كلهم مغاربة تحت سلطة ضابط من جنسية بلجيكية يساعده أطر فرنسيون وإسبان، وتنقسم إلى فرقة من المشاة وأخرى من الخيالة ترابط داخل المدينة وبأحوازها حسب الاقتضاء، وبحسب النظام المعدل سنة 1928م، عين ضابط اسباني مفتشا عاما للشرطة بينما أسندت رئاسة فرقة الدرك إلى ضابط إسباني إلى جانبه مساعد فرنسي.

تحددت مهام المحكمة المختلطة في البث في النزاعات بين الأجانب أو بينهم وبين المغاربة، سواء في الميدان الجنائي أو المدني أو التجاري، كانت المحكمة تتكون من سبعة قضاة من بينهم فرنسيان وإسبانيان، وإيطالي وآخر بريطاني وثالث بلجيكي، يعينون بواسطة ظهير من قبل السلطان بإيعاز من لجنة المراقبة، ويمكن عزلهم بعد رأي المجلس التشريعي، بناء على طلب اللجنة.

تم تعديل نظام المحكمة المختلطة سنة 1952م، وأضيف إلى القائمة قاض فرنسي وآخرون من إسبانيا والبرتغال وهولندا وأمريكيا، كما تم تعيين قاض مسلم لأول مرة.

المندوب السلطاني:

نص الاتفاق الدولي على عدم إلحاق أي مساس بصلاحيات السلطان بصفته رئيسا للمجلس التشريعي الدولي الذي يعد بمثابة مجلس بلدي للمدينة، لكن القوى الدولية في المدينة لم تستسغ بقاء صلاحيات واسعة في يده، ومن أجل تفادي الوقوع في حالة تناقض القوانين تم اللجوء إلى إيجاد صيغة للتوفيق بين ما هو نظري منصوص عليه في ديباجة النظام الدولي، وما تسعى إليه القوى الدولية، فتم الاهتداء إلى صيغة التفويض، فالسلطان لم يتنازل عن صلاحياته في المنطقة ولكن فوض مهمة ممارستها إلى آليات الإدارة الدولية، بواسطة المندوب الذي أصبح يمثل السلطان واضطلع في الآن ذاته بالوظائف التي كان يتولاها النائب السلطاني والباشا، وبذلك تعددت وظائف المندوب السلطاني وتشعبت بين ما هو إداري وقضائي ومالي، لكن ذلك لم يتجاوز حدود ما هو ظاهري، فقد تمثلت مهامه الأساسية في السهر على إلزام الرعايا المسلمين واليهود باحترام إملاءات النظام الدولي وشروطه، لاسيما ما تعلق بأداء الضرائب والرسوم، والأمن العام، وطرد الرعايا الذين لا ترغب الإدارة الدولية في بقائهم بالمنطقة، ترأس المندوب جلسات المجلس التشريعي، ولم يكن يملك حق التصويت، واستعان في ممارسة مهامه بعدد من الموظفين يعينهم السلطان، ويتكونون أساسا من قاضي العدول أو خليفته ومحتسب.

قيدت سيادة السلطان بعقد الحماية الفرنسية (معاهدة فاس 1912م) التي امتد مفعول بعض بنودها إلى منطقة طنجة، فمنعت فرنسا المخزن من حق تسيير شؤون البلاد الخارجية، بحيث إن المقيم العام الفرنسي بالمغرب هو الممثل للسلطان أمام الدول الأجنبية، لذلك لم يكن تفويض السلطان للمؤسسات الدولية يشمل الجانب الدبلوماسي. ضمن هذا السياق تم تحويل السفارات الأجنبية بالمدينة إلى مجرد قنصليات، أما على الصعيد الداخلي فإن عقد الحماية وضع سلطة العامل تحت الحماية الفرنسية وكان من اللازم أن تقوم إلى جانب المندوب سلطة للمراقبة كما هو شأن أي باشا آخر. بمقتضى هذا المبدأ عين إلى جانب المندوب مراقب الشؤون المدنية رأسا من سلطات الحماية بالرباط، وأصبح دور المندوب صوريا بينما كانت صلاحياته بيد فرنسا.

التحق أول مندوب للسلطان في ظل النظام الدولي في فاتح دجنبر 1924م، وتعاقب على هذا المنصب كل من: المندوب محمد بوعشرين (1924م-1925م)، والمندوب محمد التازي (1925م-1941م) و(1945م-1948م)، والمندوب أحمد التازي (1948م -1956م).

والواقع أن الأدوار التي نِيطت بالمندوب السلطاني ثانوية ورمزية فارغة المحتوى، إذ كان للقرارات التي تتخذ في تدبير الشأن العام للمنطقة باسم السلطة المغربية الحاضرة إِسْمِيًا والغائبة فعليا وقع خطيرة على واقع ومستقبل البلاد التي ما فتئت تجني نتائج تلك المرحلة.

 

شاهد أيضاً

مسجد البيت العتيق بمرتيل في خبر كان ومن المسؤول؟؟

  فكري ولدعلي ألقت ساكنة مرتيل اللوم على مندوبية الأوقاف حول إهمال مسجد البيت العتيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اكيد 24