ثقافة

الرومان والقرطاجيون والمسلمون مروا من هنا «ليكسوس » .. الموقع الأثري الأسطوري الذي يكشف للمغاربة عن حقيقة تاريخهم

محسن بالقسم
في إطار الاحتفال بشهر التراث، نظمت وزارة الثقافة والاتصال- قطاع الثقافة الافتتاح الرسمي لمحافظة الموقع الأثري «ليكسوس» يوم السبت من الشهر الجاري، الواقع بحوالي 5 كلم عن مدينة العرائش، والذي أشرف وزير الثقافة والاتصال محمد الأعرج على تدشينه، ويأتي هذا الافتتحاح تنزيلا لمخطط عمل الوزارة في مجال تثمين وصون التراث الثقافي والتعريف به وتكريس لمجهودات القطاع في النهوض بالتراث الوطني وتأهيله والترويج له وتقريبه من عموم المواطنين، بما يجعله رافعة لتحقيق التنمية المستدامة بالمنطقة، وخلق وجهة ثقافية سياسية محلية وجهوية ووطنية.
قال محمد الأعرج وزير الثقافة والاتصال، في كلمة له “إن موقع ليكسوس يحتل مكانة متميزة في مشهد المغرب القديم لكونه عرق الحواضر بالمملكة وأحد أقدم وأنشط المراكز الحضارية في زمانه على البحر الأبيض المتوسط، وهو بذلك يجسد نموذجا حيا بتراث المغرب وأصالته، وأضاف أن هذا الموقع الذي يحتوي على كل مكونات ومؤهلات التراث العالمي يضع الوزارة أمام مسؤولية وطنية جسيمة تستدعي إحكام المقاربة لحفظه على أصالته للأجيال القادمة، ورد الاعتبار له والتعريف به تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية، الرامية إلى العناية بالموروث الثقافي وبالتراث الحضاري للمملكة، وأشار إلى أن التجارب الرائدة في العديد من الدول ساهمت في حماية التراث الثقافي من جهة وتوظيفه للمساهمة المباشرة في تحقيق جزء كبير من أهداف التنمية المستدامة في الوقت نفسه غاية ووسيلة، ﻷن التراث الثقافي عامة يشكل مورد غير متجدد يجب حمايته وإدارته بعناية من خلال وضعه في المكان الصحيح بوصفه أولوية في برنامج المعمل التنموي”.
وأكد وزير الثقافة والاتصال في تصريح لـ “العلم”، أن افتتاح موقع ليكسوس يندرج ضمن توجيهات ملكية سامية للعناية بالموروث الثقافي والحضاري للمملكة، من خلال مخطط عملي تنفيذي لوزارة الثقافة والاتصال والاعتناء بهذا الموروث وإعادة الاعتبار لكونه رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب. وعليه فإن إعادة الاعتبار للموقع وتثمينه مع برمجة إطلاق أبحاث أثرية جديدة ستساهم في التعريف بالموروث التاريخي للموقع، وفي الكشف عن مكونات معمارية جديدة ستمكن الرفع من جاذبيته واستقطابه للزوار وطنيا ودوليا ليصبح مركز إشعاع ثقافي على المستوى المحلي والجهوي وقطبا سياحيا مهما سيشكل أحد روافد التنمية المستدامة المنشودة بالمنطقة.
هشام حسني محافظ موقع ليكسوس الأثري، أوضح أن التدشين الرسمي للمحافظة جاء بعد الانتهاء من مشروع إعادة الاعتبار وتهيئة الموقع الأثري الذي يعد أقدم مدينة في المغرب من الناحية التاريخية والميتولوجية، تميزه مكونات أركيولوجية من ضمنها: معمل تصدير صلصات السمك مثل “اللاكاتوم” وصلصة “الموريا” والقصر الملكي والمسرح الروماني، إضافة إلى أن ليكسوس كانت معروفة بأسطورة الهسبيريسات جنيات المساء أو الليل حيث الشجرة العجيبة، شجرة التفاح الذهبي الذي يمنح ﻵكله الخلود .هذا وشدد المتحدث نفسه على أن مشروع ليكسوس يشتمل على بناء سياج على مسافة 4000 متر لحماية الموقع، ثم بناء محافظة تحتوي على مكونات لتدبير الموقع من بينها: مخازن وفضاءات للعرض ومكاتب إدارية وقاعة عروض ومحاضرات وكذا قاعات للعمل، ناهيك عن مسار الزيارة مع وضع لوحات تفسيرية داخل الموقع من أجل مساعدة الزوار المغاربة والأجانب على معرفة خبايا المدينة في ظروف مناسبة وواضحة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الافتتاح أتى بعد بناء مركز خاص بالموقع وتهيئة مسار لزيارته، وتعد مقدمة لمشروع مندمج يشمل إطلاق برنامج لحفريات أثرية موسعة وإحداث مركز للتعريف بتراث الموقع، إذ يحتل موقع ليكسوس من حيث موقعه وآثاره مكانة متميزة في المشهد الأثري القديم الذي ترجع أصول إلى نهاية القرن 12 قبل الميلاد، تاريخ استقرار الفينيق بها وبناء معبد إلهم ملقارت، حيث كانت تغطي مساحة تقدر بـ 14 هكتارا، تطورت مدينة ليكسوس من مجرد مركز تجاري على ضفة واد اللوكوس إلى مدينة قائمة بذاتها، هذا التطور لم يكن ناتجا فقط عن طريق تصدير المنتوجات المحلية أو إعادة تسويق المواد المستوردة، بل ﻷنها تمكنت من احتكار تجارة المنطقة بأكملها، ما جعل سكانها يعيشون في رفاهية تجلت في الأساس باستعمال مواد من الطراز الرفيع، مستوردة من شرق المتوسط مثل: فينيقيا واليونان وقبرص. في الفترة المورية التي تمتد من أواخر القرن 6 قبل الميلاد إلى سنة 40 ميلادية، تؤكد المعطيات الأركيولوجية انتعاش المدينة وربطها علاقات تجارية مع القرطاجيين ومع مناطق بشرق المتوسط في ما بين القرن 3 قبل الميلاد 40 ميلادية على غرار باقي موريطانيا الغربية (شمال المغرب حاليا)، خلال هذه المرحلة عرفت ليكسوس تطورا عمرانيا تحت حكم الموريين من خلال بناء منازل ذات الحصن الداخلي والأزقة المبلطة بالحجارة المنجورة، بالإضافة إلى البنايات العمومية والأسوار الدفاعية. خلال الفترة الرومانية عرفت المدينة أوج اتساعها محاكية بذلك أهم المدن الإمبراطورية الرومانية، حيث شيدت بها العديد من البنايات العمومية من: حمامات ومعابد ومحكمة وسرح دائري وأسوار دفاعية وحي صناعي مختص في تمليح السمك، إضافة إلى منازل ضخمة مزينة بالفسيفساء والرخام والتماثيل واللوحات الفنية الحائطية المصبوغة، وعقب أزمة عامة شهدت الإمبراطورية واكبها التخلي عن جنوب ولاية موريطانيا الطنجية وبقيت ليكسوس تحت حكم الرومان، إلا أنها عرفت إنكماشا اقتصاديا صاحبه تقلص لعدد سكانها، ما دفعها لبناء صور جديد بعد هجر أحياء مهمة منها، منذ القرن 3 الميلادي دخلت ليكسوس بما يسمى بالقرون المظلمة ما بين القرنين 4 و8 الميلاديين، المعلومات المتوفرة تؤكد استمرار المجمع الصناعي في الاشتغال إلى حدود أوائل القرن 5، كما استقر بالمدينة مسيحيون قبل دخول المسلمين إليها، وبقي الاستقرار التي تحمل اسم تشوميس إلى حدود القرن 14م حيث عمر أحد أمراء أول دولة إسلامية بالمغرب بها ويتعلق الأمر بالدولة الإدريسية، أما على المستوى الأركيولوجي تم الكشف بليكسوس عن منزل يتوسطه فناء ومسجد وكمية هامة من اللقى الأثرية التي تعود إلى الفترة الإسلامية خاصة الموحدية والمرينية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى