الکونطرا: فيروس يقتل التعليم
حفيظة لبياض٠
ليست صدفة أن يشهد قطاع التعليم هذه الأزمة الخانقة، وتنزف دماء المدرس، ويتشرد المتمدرس، في الوقت الذي تنام فيه وزارة التعليم، فتصبح الحکومة صماء بکماء، وأجهزة الأمن تکسر عظام رجال ونساء التعليم وتنظف بدماٸهم الشوارع والطرق، کأنهم عصابات إجرامية أو شبکات إرهابية، بل هم فقط مربيي الأجيال الصاعدة هذفهم إنجاح مخطط التنمية٠
وتستمر التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد في تنظيم الإحتجاجات منذ أسابيع من أجل الإدماج في الوظيفة العمومية، حيث تغلق الحجرات الدراسية أبوابها، کما أن المتمدرسين يستيقظون کل صباح في الطقس البارد ويقطعون الکيلومترات من أجل مداومة دروسهم، غير أنهم يعودون بخيبة أمل، وتستمر معاناتهم وإنتظارهم لأساتذتهم المحتجون عن نظام التعاقد، هل هکذا تحارب الحکومة مشکل الهدر المدرسي؟
کما ينص الدستور المغربي علی إصلاح منظومة التربية والتکوين، ويعتبر التعليم إساس إزدهار ورقي الأمم والحضارات، ولا يتحقق هذا الهذف السامي إلا بفضل المدرس، الذي يربي الأجيال وينشر العلم والمعرفة والثقافة٠
تعد إهانة المدرس تدمير مباشر للتعليم، “فکاد المعلم أن يکون رسولا“، أي إرسال القيم الکونية والإنسانية والدينية، ثم ترسيخ المبادٸ والروح الوطنية، فکيف يمکن له أن يقوم بهذه المهام ويٶدي هذه الأدوار ودماٸه تنزف في الشوارع لتغسل أقدام المارة بدون قيمة ولا ثمن٠
فبصرف النظر عن مشروعية مطالب هٶلاء الأساتذة التعاقدين أو عدم مشروعيتها، وقبل أن نشير إلی أسباب ومسببات موافقتهم علی التوظيف بموجب عقود، فمن الطبيعي أن الحکومة کانت تتوقع إنعکاسات هذا النظام الذي فرضته علی العاطلين، ومن الواضح أنها سقطت في التناقض، فعوض إصلاح التعليم کما تظهر، وضعت طوبا هشا في أساس جدرانه، فبدأت تنهار هذه الأخيرة، وهي لا تزال ناٸمة لا تبالي أو منشغلة في أعمال ربما تراها أکثر أهمية من التعليم٠
منذ أواخر القرن العشرين والمتعاقبين علی رٸاسة الحکومة المغربية يعملون بکل ما في وسعهم لإجهاض مزايا قطاع التعليم، ويضح ذلك من خلال تغيير البرامج الدراسية وإفسادها ببرامج لا تلاٸم المتمدرسين، وتراجع جودة التعليم العمومي، ثم دعم التعليم الخصوصي، ووصلت جرأة المسٶولين إلی إهانة کرامة المدرس، فلم يعد هذا الأخير ذو حرمة وسمعة٠
أما بالنسبة لتدخل السلطات الأمنية، وتعنيف الأساتذة بشکل همجي، کما نقلته منابر إعلامية وطنية ودولية، هو إساٸة للأستاذ أولا وللنظام الداخلي للبلاد ثانيا، حيث تبقی الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير التي يتضمنها الدستور المغربي مجرد شعارات ودعايات بکون المغرب يساير التطور الذي يشهده العالم٠
داٸما نٶيد التدخل الأمني لفض المظاهرات حفاظا علی سلم الوطن، في حالة إثارة الفوضی والضوضاِء حين تتحول إلی شغب وإلحاق الأذی بالمواطنين، والمس بحرية الآخرين کالرشق بالحجارة أو استعمال الأسلحة أو٠٠٠ من طرف المحتجين، لکن حين يتعلق الموضوع باعتصام أمام مٶسسة البرلمان، التي يظهر فيها أشخاص عبر الشاشات التلفزية ناٸمين فوق کراسيهم أو يدردشون في الواتساب، بدل طرح الأسٸلة الشفوية أو الکتابية، التي ليست لها أجوبة تطبيقية، فما العيب إذا قضی الأساتذة أمام مٶسسة البرلمان ليلة کاملة آملين في إيجاد حلول حقييية لعلاج وباء الکونطرا الذي يقتل التعليم؟
وقد فتح وباء الکونطرا مجالا شاسعا لهواة النضال المزيف والباحثين عن فرص جديدة للظهور في الساحة، کبعض الهيٸات الغير حکومية کالنقابات والجمعيات ثم جماعة العدل والإحسان التي ترغب منذ عقود من الزمن إلی تولي الحکم المستحيل، جميع هذه الهيٸات تستغل الوضع الراهن للتعليم ومعاناة المعلمين، مما يخلق تحاقن سوسيو اقتصادي وسياسي، والذي يهدد سلم البلاد واستقرار العباد٠
ومن المعلوم أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يرکز في خطالباته السياسية علی ربط المسٶولية بالمحاسبة، وإصلاح منظومة التربية والتکوين، وجعل التعليم أهم القطاعات، ثم يدعو نصره الله إلی تظافر الجهود من أجل الحفاظ علی الأمن٠
لکن ما نشاهده من تعسف تجاه رجال ونساء التعليم وعدم التواصل معهم وفتح الحوار، من أبرز عوامل خلق الفتنة، حيث تزعزعت ثقة المواطنين في الحکومة بجميع مکوناتها وأصبح الشعب يستنجد بملك البلاد من أجل الحد من فيروس الإستبداد٠




