دوليةكُتّاب وآراءمجتمع

العمارتي: تأملات في واقع ومآل حماية اللاجئين بعد مرور 75 سنة على اعتماد الأمم المتحدة للاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين

د. محمد العمارتي – باحث في القانون الدولي وحقوق الإنسان، عضو سابق بلجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

من المفروض أن تبعث الذكرى 75 لاعتماد منظمة الأمم المتحدة في 28 يوليوز 1951 لاتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين – على الأقل- على الشعور بقدر من الرضى والارتياح للتقدم الذي  أحرزه المجتمع الدولي و المكتسبات التي راكمها  في سبيل  ضمان وتأمين الحماية الدولية للاجئين في العالم، وألا تتحول هذه الذكرى إلى مناسبة  للتعبير عن التحفظ الصريح من هذه الاتفاقية ،وحتى للتشكيك والإنكار الجازم لقيمتها  المعيارية ، وإثارة الجدل من جديد حول جدواها ومبررات الإبقاء عليها. بيد أن ما يسترعي الملاحظة منذ بضع سنوات خلت، هو أن ذكرى اعتماد اتفاقية جنيف للاجئين وبروتوكولها الإضافي لسنة 1967، قد أصبحت مناسبات لإعادة إطلاق النقاش وتزايد حدّة الخلاف حول المصلحة في الوقت الراهن من هذين النصين الاتفاقيين اللذين تآكلت حسب البعض، نجاعتهما مع مرور الزمن في   توفير الحماية اللازمة والكافية والملائمة للاجئين.

ويتسم هذا النقاش الذي يتكرر كل سنة  بالتجاذب بين اتجاهين رئيسيين ، أولهما تعكسه الانتقادات الحادة التي توجهها بعض الأوساط السياسية لاتفاقية جنيف (  1951 ) وبروتوكولها ( 1967) واعتبارهما نصين أصبحا متقادمين ،و فقدا أهميتهما في الوقت الراهن بسبب التحولات العميقة لواقع النزوح والتنقلات البشرية عبر الحدود و ما باتت تفرضه من تحديات على الدول . وخلافا لهذا الرأي، ثمة اتجاه آخر ،  يعبر عنه أساسا  الأكاديميون  و الخبراء  و المنظمات الحقوقية الدولية ، يعتبر أن الاتفاقية وبروتوكولها الإضافي  لا زالا أداتين عالميتين ضروريتين و ملائمتين لتحديد معايير و مواصفات اللاجئين و تنظيم معايير حمايتهم ، فضلا عن كون المبادئ الأساسية التي تكرسها هذه النصوص تمثل حجر الزاوية لنظام القانون الدولي للاجئين .

وتعتبر الذكرى 75 لاتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين في نظر معظم الأكاديميين والخبراء في مجال اللجوء واللاجئين، فرصة سانحة لاستخلاص العبر من التجارب الماضية للحماية الدولية اللاجئين، ولفهم أعمق للتحديات التي تفرضها هذه الحماية في الحاضر. فقد واجهت الاتفاقية الخاصة باللاجئين أزمات عديدة منذ اعتمادها غداة الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي يمكن القول معه دون مبالغة أن هذه الاتفاقية قد عمّرت ردحا من الزمن لم يكن متوقعا، وقد يتعجب ويندهش المشاركون في الأشغال التحضيرية والمؤتمر الدولي لاعتمادها في 1951 لكونها لا زالت سارية المفعول بعد مضي 75 سنة.

وقد بدا لنا من المفيد ان نذكر القارئ بإيجاز شديد بالماضي المضطرب لاتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين منذ اعتمادها      في  1951 ، ومحاولة طرح بعض عناصر التفكير في الأهمية الراهنة لهذه الاتفاقية   ودلالتها ومآلها في سياق عالمي مشحون بمسببات النزوح وتفاقم أوضاع اللاجئين عبر العالم.

أولا – عودة موجزة إلى سياق اعتماد اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين

لم يكن من المتوقع أن تصبح اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين الإطار المعياري العالمي المرجعي لحماية اللاجئين بعد مضي  75 سنة على اعتمادها. فقد دخلت هذه الاتفاقية الى حيز النفاذ في سنة 1954، ولم تكن أحكامها تنطبق وقت اعتمادها  سوى  على “كل شخص ، يوجد بنتيجة أحداث وقعت  قبل 1 يناير 1951 ، وبسبب خوف له ما يبرره من الاضطهاد […]  ، ولعل هذا التطبيق بأثر رجعي لأحكام اتفاقية جنيف يثير الاستغراب ،لأنه يعتبر خاصية فريدة لهذه الاتفاقية من بين المعاهدات الأخرى العديدة التي اعتمدتها الأمم المتحدة بعد سنة  1945  ، ذلك أن خصوصية السياق الأوروبي في أعقاب الحرب الثانية و تقسيم  أوروبا و إعادة رسم الحدود بين دولها بعد مؤتمر “يالطا” ، فرض  صدارة حماية اللاجئين الأوروبيين و النازحين و جعلها  أولوية  في انشغالات  منظمة الأمم المتحدة . وقد أثارت اشغال مؤتمر إعداد هذه الاتفاقية (2 – 25 يوليوز) منذ بدايتها تحفظا ومعارضة قوية لأسباب ومبررات مختلفة. حيث رفضت البلدان الشيوعية آنذاك اعتماد اتفاقية لم تكن تمثل في نظرها سوى أداة للدعاية الغربية الرأسمالية، بينما انتقدت الهند وباكستان ” التحيز الأوروبي “ الذي طبع مشروع نص الاتفاقية وتجاهله معاناة الشعوب التي خضعت للاستعمار ومخلفاته، كما شدّد العديد من المشاركين في المؤتمر على [أن المعاناة من الاضطهاد لا ” تعرف حدودا عنصرية أو عرقية ولا حدودا سياسية، فهي نفس المعاناة بالنسبة للجميع …].

وعلى الرغم من التحفظات والاعتراضات على التصور الأوروبي الذي غلب على مؤتمر اعتماد اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين، فقد اعتبر أول مفوض سامي لشؤون اللاجئين( Gerrit  Jan Van HEUVEN-GOEDHART) إبان التئام المؤتمر الدولي لاعتمادها ، أن هذا النص الاتفاقي التاريخي قد تم تدوينه من منطلق  ” الواقعية الإنسانية” ، و حدّد له المتفاوضون هدفا أساسيا يتمثل في [..الاعتراف باللاجئين  ومنحهم الوضع الذي يستحقونه في القانون الدولي […] وتحديد حقوقهم و التزاماتهم بشكل أكثر وضوحا ، وذلك أخذا بالاعتبار ليس فقط مصلحة اللاجئين ، وإنما أيضا مصلحة حكومات الدول التي يقيمون فيها ]. ولعل هذا الهدف المزدوج هو الذي يفسر سبب استمرار اتفاقية جنيف في البقاء وأكسبها القيمة العملية التي لا زالت تحظى بها في الوقت الحاضر.

فقد استطاعت اتفاقية جنيف الصمود والاستمرار في الوجود رغم انقسام النظام الدولي اثناء الحرب الباردة ومسلسل حروب التحرير وتصفية الاستعمار، كما أن الدول الإفريقية التي حصلت على استقلالها السياسي قد أعطت لاتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين زخما إضافيا وقويا ودفعة حاسمة نحو العالمية.

فقد تأكد في سياق تصفية الاستعمار في افريقيا خاصة، أن القيود الزمنية والجغرافية المتعلقة بتعريف اللاجئ والتي تنص عليها المادة 1 (ألف – باء) من الاتفاقية، قد فقدت مبرراتها ولم تعد لها أي ضرورة في سياق افريقي بات يعرف تنقلات كثيفة للسكان، وحركات نزوح متزايدة لأسباب عديدة ولا سيما منها الحروب لنيل الاستقلال والتحرر من الاحتلال والسيطرة الاستعمارية.

وقد برز -في مرحلة مبكّرة- الطابع غير الملائم والمتجاوز للقيود التي وضعتها الاتفاقية على تعريف اللاجئ، ذلك أن حرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي (1954-1962) أجبرت مئات الآلاف من الجزائريين على الهروب بحثا عن الحماية، حيث وجدوا ملاذا في المغرب وتونس، غير أنهم أصبحوا خارج نطاق تطبيق اتفاقية جنيف بالنظر إلى القيد الجغرافي والزمني لتعريف اللاجئ الذي أشرنا اليه سابقا. وصار من اللازم حينئذ إلغاء هذه القيود، وهو الأمر الذي لم يتحقق إلا في سنة 1967 باعتماد البروتوكول الإضافي لاتفاقية جنيف، الذي كرّس طابعها العالمي ومدّد انطباق مقتضياتها لتشمل جميع اللاجئين الذين اضطروا إلى مغادرة بلدانهم بغض النظر عن طبيعة الأحداث التي أجبرتهم على ذلك أو مكان أو تاريخ وقوعها.

والجدير بالملاحظة أن تكريس البعد العالمي لاتفاقية جنيف للاجئين، أفضى إلى ارتفاع مهم في عدد الدول الأطراف فيها ،حيث عرفت موجتين من التصديقات، أولاهما كانت ما بين 1967 و1987 نتيجة لتصفية الاستعمار في عدد من الدول، والثانية سجلت ما بين 1991 و2000 على إثر انهيار الاتحاد السوفياتي والتحولات الجيوسياسية التي أعقبته. وقد بلغ عدد الدول الأطراف في هذه الاتفاقية / وأو في / بروتوكولها الإضافي إلى غاية سنة 2026، 149 دولة.

وتنتمي الدول الأطراف (149) في اتفاقية جنيف للاجئين إلى مختلف جهات العالم، بينما الدول الأخرى (44) الأعضاء في الأمم المتحدة   التي لم تصدق على الاتفاقية بعد، تنتمي في معظمها الى منطقة الشرق الأوسط وأسيا والمحيط الهادي.

وإذا كانت اتفاقية جنيف أعطت دفعة حاسمة لتعزيز عالمية نظام حماية اللاجئين، فإن بلدان الجنوب هي التي تتحمل أعباء استقبال أكثر من ثلاثة أرباع مجموع اللاجئين في العالم، كما أن عدة دول غير أطراف في الاتفاقية مثل لبنان والأردن وباكستان وبنغلاديش تعتبر من الدول التي تستقبل أعدادا مهمة من اللاجئين.

ثانيا – اتفاقية جنيف للاجئين: مآخذ التقادم وخطر تهرّب الدول من الوفاء بالتزاماتها

من الواضح أن أعضاء اللجنة الخاصة التي أنيطت بها مهمة إعداد وصياغة مشروع نص اتفاقية جنيف للاجئين، لم يستحضروا أثناء أشغالهم ومداولاتهم فرضية تحول الاتفاقية إلى أ ساس قانوني مرجعي لحماية ملايين اللاجئين في جميع أنحاء العالم. ولعلهم لم يكونوا في سياق وظروف موضوعية تمكنهم من توقع أن تصبح الاتفاقية أداة ضرورية ولا غنى عنها لحماية اللاجئين، وفي نفس الوقت عرضة للتشكيك والتحريف والتهديد.

ويتّضح بعد مضي 75 سنة على اعتماد هذه الاتفاقية أن ما يبعث على القلق من مآلها، لا يكمن في تحوّلها إلى نص عفا عليه الزمن وصار متقادما بعد عقود من اعتماده، حسب ما تزعم بعض الدول التي تطالب بمراجعة عميقة وشاملة للاتفاقية، بل إن ما يهدد الاتفاقية، يتمثل في إصرار بعض الدول على إفراغ اتفاقية جنيف من محتواها ومدلولها، من خلال الاستعمال الشكلي لمبادئ ومفاهيم الاتفاقية مع التمادي في الممارسة على تقويض جوهر وروح هذا النص الاتفاقي العالمي بصورة منهجية. ولعل أوضح مثال على تحريف الدول للمحتوى الحمائي لاتفاقية جنيف والتحايل على الالتزام الكامل والسليم بمقتضياتها، هو تفويض بعض الدول الغربية لمسؤوليتها في منح اللجوء واستقبال طالبي اللاجئين وحمايتهم، وسعيها إلى التنصل من الوفاء بالتزاماتها الاتفاقية بنقلها إلى بلدان أخرى تنتمي في عمومها إلى مناطق الجنوب، والتي تتكلّف باستقبال هؤلاء اللاجئين في شروط وأوضاع لا تستجيب غالبا للمعايير والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحماية الدولية للاجئين وطالبي اللجوء. وهكذا، إن الدول الغربية عموما ابتدعت “آلية تفويض حماية اللاجئين للغير ” «Externalisation de l’asile» التي تخضع لمنطق بقدر ما يعتبر بسيطا، بقدر ما يعكس قمّة استخفاف هذه الدول بالتزاماتها الاتفاقية تجاه اللاجئين. وحسب هذا المنطق، فطالما لم يستطع طالبوا اللجوء الوصول والدخول إلى إقليم الدولة الطرف، فإن هذه الدولة تعتبر نفسها غير ملزمة بإعمال أحكام اتفاقية جنيف، وبالتالي فهي في حلّ من تطبيقها على أشخاص لا يوجدون في الأقاليم الخاضعة لولايتها.

وبالتوازي مع إسناد مسؤولية استقبال اللاجئين والتكفل بحمايتهم للغير، أصبح تنفيذ الإبعاد في الحدود   Refoulement – الذي يعني الإعادة القسرية للأشخاص إلى خارج الحدود الإقليمية للدولة دون تمكينهم بصورة فردية من مباشرة إجراءات وضع طلبات اللجوء- (أصبح) ممارسة اعتيادية سواء في البلدان الأوروبية أو غيرها. ومن ثم ، إن انتشار هذه الممارسات  لا تقتصر انعكاساتها السلبية فقط،  على وضع حواجز عملية تعيق الولوج الى مساطر اللجوء ن بل انها تنسف مبدأ اللجوء من أساسه وتلغيه ، لأنها تنتهك بشكل سافر حق كل فرد في ” التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتع به خلاصا من الاضطهاد” (المادة 14 ف 1 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) ، ذلك أن طالب اللجوء الذي يتعرض للإبعاد في الحدود قبل أن يتمكن من وضع طلبه ، يصبح فاقدا لأي وجود في النظام القانوني للدولة ويتم  استبعاده -من حيث الواقع – من صفة طالب اللجوء و إقصاؤه من نطاق  المشمولين  بالحماية   التي تكفلها اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين .

إن استعمال الدول لهذه الأساليب والممارسات التمويهية لا يهدف في الواقع إلى تعديل ومراجعة قوانين اللجوء، ولا إلى تأويل إيجابي لأحكام اتفاقية جنيف بما يعزز الحماية التي تضمنها، وإنما يهدف إلى الالتفاف على الاتفاقية وتحريف موضوعها والتهرب من الالتزامات الواضحة التي تفرضها على الدول الأطراف، مع الإيهام بان هذه الدول تحترم الاتفاقية ولا تنتهك أحكامها.

ويتأكد مما سبق أن أحد الرهانات الرئيسية لهذه الذكرى 75 لاتفاقية جنيف، يتمثل في فضح الممارسات التحريفية التي تهدد الاتفاقية باعتبارها الإطار المعياري المرجعي العالمي والأساسي لحماية اللاجئين، والتأكيد بقوة أن الالتزام بها والإعمال الكامل وبحسن نية لمقتضياتها لا زال هو الحل السليم   والضروري.

ثالثا- اتفاقية جنيف للاجئين: وثيقة تعاقدية بين الدول الأطراف

من اللازم التأكيد أن اتفاقية جنيف وثيقة قانونية تعاقدية بين الأطراف، وليست مجرد أداة أو وسيلة لتحقيق مصالحهم.  وبطبيعتها هاته، لا تحتاج أن يقيم لها المجتمع الدولي نصبا تذكاريا بمناسبة مرور 75 سنة على اعتمادها، فهي ليست أثرا من الماضي بل نصّا اتفاقيا ملزما للدول الأطراف لا يستمد قوته من قدمه، وإنما من أساسه وطابعه القانوني الملزم.

ومن المعروف أن الوفاء بالواجبات القانونية، سواء بالنسبة للأفراد أو الدول، ليس دائما أمرا سهلا في الممارسة، وإلا لما كانت هذه الواجبات تحظى بطابع الإلزام القانوني.  ومن ثم، إن حماية اللاجئين ينبغي أن تظل في نطاق الالتزامات الاتفاقية الدولية، وليس مسألة تخضع للمصلحة وتقلبات الظروف والاعتبارات السياسية أو غيرها .

وعلى هذا الأساس، يتعين النظر إلى حق طلب اللجوء والتمتع بالحماية التي يمنحها وفقا لاتفاقية جنيف، كحق أساسي للأفراد، وليس كفعل مخالف للقانون يستوجب الردع والعقوبة أو كامتياز تمنحه الدول لمن تشاء ومتى تشاء.

وطبقا لقاعدة ‘ العقد شريعة المتعاقدين” إن الدول ملزمة باحترام الاتفاقيات التي صادقت عليها بكامل إرادتها وبتطبيق أحكامها بحسن نية، وهذا هو المطلوب منها لا أقل ولا أكثر.

إن الالتزامات الأساسية التي فرضتها اتفاقية جنيف على الدول المتعاقدة لا يكتنفها الغموض، وليست مبهمة، ولا يجب أن يصبح الوفاء بها وإعمالها رهنا بالإرادة السياسية للدول الأطراف. كما أن هذه الالتزامات لم تظهر من الفراغ، إذ أن أصل وأساس اللجوء يضرب جذوره في عمق الحضارات والثقافات والتقاليد الإنسانية المتنوعة والعريقة، وتعززت وتواترت ممارسته خلال مراحل زمنية طويلة بالاستناد إلى الأسس والمصادر العرفية والاتفاقية للقانون الدولي العام.

وبالإضافة إلى كون اتفاقية جنيف لسنة 1951 تكرس ضمن النظام القانوني الدولي البعد العالمي ل “حق اللجوء” باعتباره قيمة إنسانية عريقة مشتركة بين الثقافات والأديان والحضارات، فإن صمودها واستمرارها في الوجود الى الوقت الراهن ،قد تحقق عن طريق ترسيخ مكانتها ضمن نظام الأمم المتحدة، لاسيما من خلال المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، باعتبارها الوكالة التي [تتولى تحت سلطة الجمعية العامة، وظيفة توفير الحماية الدولية …. للاجئين […]والتماس حلول دائمة لمشكلة اللاجئين من خلال مساعدة الحكومات والمنظمات الخاصة، بشرط موافقة الحكومات المعنية(النظام الأساسي للمفوضية السامية، قرار الجمعية العامة 14دجنبر 1950). كما أن المادة 35 لاتفاقية جنيف تقضي [بتعهد الدول المتعاقدة بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو اية مؤسسة أخرى تابعة للأمم المتحدة قد تخلفها في ممارسة وظائفها، وتتعهد على وجه الخصوص بتسهيل مهمتها في الإشراف على تطبيق أحكام هذه الاتفاقية].

والجدير بالذكر في هذا الصدد، هو ضرورة عدم التقليل من أهمية الوظيفة المسندة إلى هذه المفوضية، لأن إحداث الأمم المتحدة لوكالة تعنى خصيصا بحماية اللاجئين يعدّ في حد ذاته ميزة فريدة مقارنة مع الاتفاقيات الأخرى للأمم المتحدة.

إن هذا المقال لا يسمح لنا بالخوض بتفصيل في الجوانب التقنية لاتفاقية جنيف، بيد أن ما يستوجب التذكير به هو أن قدرة هذه الاتفاقية على الصمود طيلة العقود الماضية ،لا يمكن إدراك أسبابه دون إثارة الانتباه إلى الطابع المزدوج أو المختلط” – إذا جاز التعبير – لمضمونها ومرونة محتواها.

ونكتفي بالإشارة في هذا الصدد، إلى أن الدراسات المتخصصة والمعمقة لاتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين، تفيد أن صياغة هذا النص تعكس مزيجا متميّزا من القواعد يتقاطع فيه القانون التقليدي للأجانب والقانون الدولي لحقوق الإنسان الناشئ بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى خلاف الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي تم اعتمادها في فترات لاحقة، لم تضع اتفاقية جنيف قائمة وافية وشاملة للحقوق التي يجب على الدول الأطراف أن تضمنها للاجئين. فقد اعتمد واضعوها مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على ترجيح الحالات المحددة والتركيز على الأوضاع الخاصة التي من المحتمل أن يواجهها اللاجئون في البلدان التي تستقبلهم (عدم التمييز لاي سبب كان، الأحوال الشخصية، ملكية الأموال المنقولة وغير المنقولة، العمل المأجور، حق التقاضي أمام المحاكم، المساعدة الإدارية …..)، بالإضافة إلى وضع بعض المعايير التوجيهية الملموسة لتنظيم معاملة اللاجئين بالنسبة لكل حالة من هذه الحالات.

وعلى نفس المنوال، ترتكز اتفاقية جنيف إلى حد كبير على القانون الداخلي (الوطني) للدول الأطراف في تحديدها للمعايير المختلفة لمعاملة اللاجئين ولتطبيق عناصر وأركان تعريف اللاجئ، الأمر الذي يساهم في إدماج مضمون الاتفاقية في صلب النظام القانوني لكل دولة طرف فيها.

إن التطرق الى اتفاقية جنيف يقودنا حتما إلى التشديد على المبدأ الأساسي لحظر إبعاد اللاجئ أو ردّه ،[بأية صورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين فيها بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه الى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية] (المادة 33 حظر الطرد أو الرد). وقد أصبح هذا المبدأ يكتسي طابع القوة الإلزامية العرفية التي تتخطى مجرد الإلزام الاتفاقي، حيث ارتقى عدم الإبعاد الى قاعدة عرفية آمرة يتعين على جميع الدول أن تحترمها حتى في غياب أي أساس أو مصدر اتفاقي ملزم بالنسبة لها. ومن ثم، يتفق معظم الخبراء في قانون اللاجئين أن مبدأ عدم الإبعاد يعتبر حجر الزاوية في نظام الحماية الدولية للاجئين، ويصفه بعضهم ب «الإرث ” المعياري لاتفاقية جنيف لسنة 1951 الأشدّ صلابة   والأبرز من حيث راهنيتها واستمراريتها. ومع ذلك، إن الحيوية المستمرة لاتفاقية جنيف للاجئين لا تعزى بشكل رئيسي إلى محتواها فحسب – علما أنها خضعت لتعديل وحيد في سنة 1967 بمقتضى بروتوكولها الإضافي- بل إن استمرارها يرجع أيضا إلى إدماجها في نظام معياري عالمي لحماية حقوق الإنسان أكثر شمولا، والذي ساهمت آلياته الاتفاقية المتعاقبة بشكل حاسم وتدريجي في تعزيز وإغناء وتحيين المضمون الحمائي لاتفاقية جنيف.  وهكذا، أصبح في الوقت الحالي قانون اللاجئين وقانون حقوق الإنسان نظامين معياريين مترابطين ومتداخلين ومتكاملين، كما أصبح قانون اللاجئين مكونا أساسيا للقانون الدولي لحقوق الإنسان وغير منفصل عنه ،سواء من حيث الجوهر والمضمون أو من حيث الصيغ والأطر الشكلية.

خلاصة ما تقدم

ليس من المبالغة القول أن العديد من الصعوبات التي تعترض اتفاقية جنيف للاجئين في المرحلة الراهنة، والتي يستند عليها البعض كذريعة واهية للدفاع عن مطلب المراجعة المستعجلة والشاملة لمضمون هذا النص الاتفاقي الأساسي، لا يكمن مصدرها في الضعف والقصور  الذي يعتري مضمون هذه الاتفاقية في حدّ ذاتها، وإنما يرجع  إلى تحايل الدول بشتى الطرق والأساليب وتنصلها وتهربها من إعمال وتنفيذ مقتضياتها، وإحجامها عن الوفاء بتعهداتها وفقا للاتفاقية على النحو الكامل والسليم، وفي بعض الحالات بسبب سوء الفهم لأهدافها ومضمونها ونطاق سريانها. كما يرجع سوء الفهم واللبس هذا أحيانا وفي جزء منه، إلى كون بعض الدول  “تحمل اتفاقية جنيف أكثر من طاقتها “وتعوّل عليها  لإيجاد حلول واقعية وفورية وناجعة لجملة من المعضلات المستعصية، ولتحقيق عدد من النتائج التي تتجاوز بكثير الهدف المتوخى في الأصل من اعتماد اتفاقية اللاجئين في سنة 1951.

فممّا لا يحتاج إلى بيان، أن اعتماد الأمم المتحدة لاتفاقية جنيف للاجئين، لم يكن الهدف منه قطعا، حلّ كل المشاكل المتصلة بالتدفقات البشرية المختلطة التي تعاظم حجمها وتسارعت وتيرتها وتزايدت وتنوعت عواملها خلال العقدين الماضيين، كما أن مسألة التعاون الدولي في مجال حماية اللاجئين ووضع معايير واضحة ومفصلة لتأطيره لم تكن من أولويات المؤتمر الدولي لاعتماد اتفاقية جنيف. ومن أجل تقاسم أعباء ومسؤوليات حماية اللاجئين في العالم وتنظيم التعاون الدولي في هذا المجال، اعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة “الميثاق العالمي للاجئين ” (قرار الجمعية العامة في 17 دجنبر 2018) باعتباره إطارا توجيهيا لتقاسم المسؤوليات بشكل قابل للتوقع وأكثر إنصافا بين الدول، مع الاعتراف بأن الحلول الدائمة لمعالجة مشاكل اللاجئين وتحسين أوضاعهم لا يمكن التوصل إليها إلا عن طريق التعاون الدولي.

وفضلا عن ذلك، إن القيمة الحقيقية لاتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين لا ينبغي ان تختزل في 46 مادة التي يتألف منها نص الاتفاقية، بل إن قيمتها القانونية والمعنوية تتجلى في أكثر من ذلك، إذ أنها فرضت مكانتها كإطار مرجعي عالمي موجود منذ 75 سنة، يستمد سلطته وقوته القانونية الإلزامية أيضا من المنظومة المعيارية الغزيرة لقانون حقوق الإنسان التي تطور ضمنها على امتداد العقود.

وختاما لهذه التأملات التي أوحت بها الذكرى 75 لاتفاقية جنيف، لم أجد وصفا أكثر موضوعية وواقعية وإنصافا لهذه الاتفاقية، واعترافا بمكانتها التاريخية وقيمتها القانونية، مما كتبه أحد المختصين البارزين في قانون الهجرة واللجوء، لأنه كان محقا في اعتباره أن اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين، لا يجب النظر إليها كأثر من بقايا الماضي ولا كحلّ سحري لمشاكل اللاجئين في المستقبل. فهي لا تعدو كونها مجرد أداة قانونية غير كاملة من أجل عالم لا يرقى إلى الكمال، لكن اعتمادها في 1951 كان ثمرة لحظة تاريخية نادرة في العلاقات الدولية من الوضوح والتبصر الأخلاقي.  وبعد 75 سنة من وجود اتفاقية جنيف للاجئين، أصبح هذا التبصر في المرحلة الراهنة أشد إلحاحا وأكثر ضرورة من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى