التسامح في الاسلام قيمة أخلاقية وضرورة حضارية ندوة علمية بثانوية ابن خلدون الاعدادية بالفقيه بن صالح

طارق شفيق
احتضنت قاعة الأنشطة بثانوية ابن خلدون الإعدادية مساء يوم السبت 23/03/2019 ندوة علمية في موضوع: “التسامح في الإسلام، قيمة أخلاقية وضرورة حضارية” من تنظيم جمعية آباء وأمهات وأولياء التلاميذ بالمؤسسة، وبشراكة مع المجلس العلمي المحلي بالفقيه بن صالح، وبتنسيق مع المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بالفقيه بن صالح.
وقد تم افتتاح هذا النشاط بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم بقراءة الأستاذ أبو عبيدة الدهان، تلتها كلمة السيد مدير المؤسسة بوعبيد لبيض، الذي رحب بالاستاذات والأساتذة المؤطرين لهذه الندوة والحضور الكرام، منوها بالأنشطة التي دأبت المؤسسة على تنظيمها بفضل تظافر جهود العاملين بها وبمشاركة جمعية الآباء، كما اعتبر أن الموضوع المطروح للنقاش هو أمر مهم، وهو قيمة التسامح التي ينبغي العمل على ترسيخها في أذهان الناشئة لتترجم لممارسات عملية في الأسرة والمدرسة والشارع ومع الآخر، لبناء مجتمع حضاري ومتميز.
بعد ذلك أخذ الكلمة جيلاني صقري رئيس جمعية الآباء بالمؤسسة، الذي رحب بالمحاضرين والحضور جميعا، وأكد على أهمية موضوع الندوة وراهنيته، فقد اعتبر أن المجتمعات لا يمكنها أن تتقدم وتعلو مدارج الرقي إلا بالأخلاق والسلوكيات الحسنة، وبناشري قيم التسامح والتعايش بين الناس جميعا. وأن الفكر وحده من يغيّر ويبني المجتمع، وليس المال.
وقبل إعطاء الكلمة للمتدخلين قامت الاستاذة عفاف جهاد مسيرة الندوة ومنسقتها، بقراءة متأنية في عنوان الندوة وشعارها والأرضية المؤطرة لها، وركزت على أن الحضارات لا تبنى إلا بترسيخ قيمة التسامح، إذ التعارف الايجابي مع الآخر ينبني عليه تفاعل إيجابي معه، في حين أن التفاعل السلبي يؤدي إلى هدم الحضارات، ثم فسحت مجال الحديث للمتدخلين في حدود 20 دقيقة لكل واحد منهم.
وقد جاءت إسهامات مؤطري الندوة متنوعة ومتكاملة، فالمداخلة الافتتاحية تقدم بها الأستاذ محمد المخنطر مدير ثانوية النصر بالبرادية، الذي اعتبر مناقشة قيمة التسامح ضرورة تربوية ملحة، لما نشاهده على مدار الساعة من عنف وتطرف وتعصب عقدي ومذهبي وفكري وغيره. أدى بأرواح بريئة في أوطان متعددة إلى التهلكة، وأسهم في فك عرى مجتمعات كانت متعايشة لأزمنة طويلة. ثم عرج على مفهوم التسامح ونفى أن يكون شيئا متفضلا به على الغير أو من باب الاحسان، فهو أمر واجب ومفروض، يمكن تسميته، بضرورة وجوب قبول الآخر وإن خالفك في المعتقد والفكر, كما أشار إلى ربط الموضوع ببعض الدروس المقررة في مادة التربية الاسلامية والتي تتغيى ترسيخ قيمة التعارف والتعايش والتسامح بين الناس جميعا.
بعد ذلك أخذ الكلمة الدكتور محمد علا، أستاذ بكلية أصول الدين، في موضوع:”مقومات التسامح وانعكاساته الواقعية في المجتمع” الذي قدم لمداخلته بما كتبه المفكرون حول أصل وطبيعة العلاقة القائمة بين الناس، هل هي مبنية على الخير أو الشر، وهل هي علاقة عداء أم حب، ليطرح سؤالا مركزيا وهو هل باستطاعتنا جعل التسامح سجية أصيلة حاضرة بقوة في جميع معاملاتنا؟ ثم شرع في إبراز أهمية مفهوم التسامح، كخلق اسلامي يعبر عن الصفح والعفو عند المقدرة، والدفع بالتي هي أحسن والتماس العذر للناس، وتجنب التعنيف في القول والفعل؛ ليرصد بعد ذلك بعض انعكاسات التسامح في الاسلام على المجتمع، باعتباره بابا للتقرب الى الله، ونيل الاجر والثواب، ومدخلا لتحقيق السلم والأمن والسلام، ثم ختم ببعض مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم في موضوع التسامح، سواء في المرحلة المكية أو بعد الهجرة إلى المدينة أو في عودته فاتحا لمكة، فقد أوذي في أكثر من موقع وفي أكثر من مناسبة، لكنه دائما يقابل الاساءة بالعفو والحلم والصفح مقدما دروسا عظيمة في هذا الخلق، كتعبير عن القوة التي تنفذ إلى أعماق النفس البشرية فتحدث بها تغييرات ايجابية تحملها على العطاء والبذل من دون انتظار جزاء أو شكر.
بعد ذلك أخذت الكلمة الأستاذة فاطمة الزهراء الوزكيتي عضو المجلس العلمي المحلي بالفقيه بن صالح، لتتحدث عن التسامح وفقه المواطنة، فانطلقت إلى تحديد المفاهيم المؤطرة لكلمتها، مسترشدة بهدي النبي الكريم للتأصيل لفقه المواطنة والتسامح والتعايش مع الآخر، كما أشارت إلى التسامح الديني والسمات البارزة للمملكة المغربية على مر العصور، وريادة سلاطين المغرب في التسامح والتعايش وقبول الاخر، باعتبار المغرب بلد التعايش وقلعة التسامح، وقد استحضرت بعض الأدلة على ذلك، من مثل وجود ما يزيد عن 600 ضريح لأولياء اليهود في ربوع المغرب، وتخصيص دروب في كل المدن المغربية خاصة باليهود تعرف بالملاح، كما أشارت في ختام كلمتها لأمر مهم، وهو قضية التبرع بالدم لأن فيه إحياء للنفوس، بغض النظر عمن سيأخذه هل هو مسلم أو غيره، وذكرت الفتوى التي وردت على الدكتور مصطفى بن حمزة من البنك الدولي للدم، فأجاب فيها بالجواز، لأن الإسلام كرّم الإنسان أولا، بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه وجنسه.
وجاءت المداخلة الرابعة بعنوان:”حقوق الذميين في الفقه المالكي” للأستاذ عبد الحميد أيت مسعود، إمام وخطيب مسجد الامام مالك بالبرادية، الذي استهل مداخلته بالدعوة إلى تمثل قيمة التسامح أولا مع المسلمين، وثانيا مع غيرهم، لأن رسالة الاسلام قبل ان تكون ربانية فهي رسالة إنسانية تتعامل مع الانسان من حيث هو إنسان، ثم انتقل لتبيين مفهوم عقد أهل الذمة، وشروطه، وبيان من هم أهل الذمة، وما حقوقهم التي ضمنها لهم الإسلام، في دار الاسلام، منطلقا في كل ذلك من نصوص شرعية، وأقوال فقهية لأئمة أعلام حرصوا على صيانة هذا الحق، كالامام مالك وأبي يوسف والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم.
أما المداخلة الخامسة والأخيرة، فناقش فيها الأستاذ محمد المسعودي، أستاذ مادة الفلسفة بثانوية التغناري التأهيلية، موضوع:” القيم الإنسانية ودورها في بناء شخصية المتعلم: التسامح نموذجا”. حاول من خلالها أن يبين دلالة القيم الانسانية والتسامح وشخصية المتعلم، ثم انتقل للحديث عن الدور التكاملي الذي تلعبه الأسرة والمدرسة في بناء شخصية المتعلم وتشبعه بقيمة التسامح، وقد أشار إلى حضور قيمة التسامح في إصلاح منظومة القيم بالمدرسة المغربية، بين الخصوصي والكوني، مذكرا بأن مرتكزات الميثاق الوطني للتربية والتكوين تؤكد حضور التسامح كقيمة دينية وثقافية وكونية، كما عرج على دور التدريس بالكفايات في بناء شخصية المتعلم على التسامح باعتباره محور العملية التعليمية التعلمية، واعتبر أن التماسك الاسري وطريقة تعامل الاباء بينهم وبين ابنائهم له دور كبير في تحقيق التوازن النفسي للأبناء، ومن ثم فإن الاسرة مشاركة للمدرسة في بناء شخصية المتعلم على التسامح، وختم كلمته بالدعوة الى القطع مع جملة من الممارسات الخاطئة مع الأطفال كالشتم والمقارنة والحب المشروط والإحباط والتهديد والمنع غير المقنع، وغيرها من الممارسات التي تضعف شخصية الانسان، وقد تولد لديه العنف والكراهية والحقد.
اعقبت مداخلات الأساتذة المحاضرين تدخلات لأساتذة أغنوا بنقاشهم موضوع الندوة، من خلال التأكيد على أهمية فعل التسامح الذي يفضي، إلى تحقيق تواصل جيد، وإسهام في تعزيز فرص التعبير التي تقود إلى اكتشاف الطاقات وبناء الحضارات. والتنبيه إلى ضرورة التربية على قيم التسامح داخل فضاء المؤسسات التعليمية وبين مختلف أطراف الفعل التربوي في أفق توفير أجواء مناسبة للإبداع والتحسين المستمر للقدرات لدى الناشئة من التلاميذ والتلميذات، الذين عبروا بدورهم عن الحاجة إلى قيمة التسامح في علاقتهم مع مدرسيهم وبين بعضهم البعض.
وفي ختام هذه الندوة، تم توجيه كلمة شكر وعرفان لكل الفعاليات التي لبت الدعوة، وأسهمت في انجاح هذا النشاط، من هيئة الادارة وهيئة التدريس وتلاميذ المؤسسة وحضور من الاقليم وخارجه، وصحافة وإعلام.
ودعي الجميع إلى حفل شاي أقيم على شرف الحضور.




