كُتّاب وآراء

الخريف الفرنسي هل هو بداية لافلاس سياسي ؟

مصطفى داحين

تحليل سياسي

لا يمكن تسمية احتجاجات السترات الصفراء بالربيع الفرنسي من منطلق أن الربيع يأتي بعد خريف أعجف وشتاء قاس يزيد الشعوب المطهدة قحطا اقتصاديا وسياسيا . وبما أن فرنسا من بين الدول الغنية والفاعلة في السياسة الدولية كعضو مركزي في الامم المتحدة لهاحق الفيتو ، فأن حدث الاحتجاجات ينذر بوقوع تحول ناتج عن شبه افلاس سياسي ماكروني لا يمكن التنبؤ بتداعياته الاوروبية حاليا ورقعة الاحتجاجات تتسع عدواها طبقا لخريطة شينغن .

ماكرون الذي تدنت شعبيته حسب معهد الاستطلاع ” ايلابي ” الى ما دون 35 % و 73 % من الفرنسيين عبروا عن دعمهم للحركة الاحتجاجية التي يقودها اصحاب السترات الصفراء فشل في مصالحة الشعب الفرنسي مع قاداته بعد سنة من دخوله قصر الايليزي وذلك من خلال إعطاب برنامج ” تغيير” الذي رفعه كشعار للتحدي في حملته الانتخابية ، الشيء الذي زاد من تدهور القدرة الشرائية لدى الفرنسيين ، وعوض إيجاد حلول للعجز الاقتصادي في اطاره الاجتماعي ، لجأت الحكومة الماكرونية إلى الزيادة في أثمنة المحروقات .

الرئيس الفرنسي الذي اتهمه خصومه السياسيون بأنه رجل تنقصه الحنكة السياسية وانعدام تجربتها على اعتبار أنه أتى إليها من خارج التنظيمات الحزبية الفرنسية ، لم يجد وسيطا اجتماعيا أو نقابيا مؤهلا لمحاورة أصحاب السترات الصفراء الذين جاؤوا مثله من خارج الأحزاب والنقابات ، واكتفى فقط باعتقال اكثر من 400 محتج منهم في الوقت الذي انضم إليه اعلامه ليوكل لهم اتهامات واهية سبق وأن سخرها اعلام ديغول سنة 68 و 69 حين دعا إلى استفتاء شعبي حول الانتقال من الادارة المركزية الى النظام اللامركزي منفدا وعده بتخليه عن كرسي الرئاسة بعد أن صوت الفرنسيون ضد خطته الإصلاحية .

وفي ظل الاحتجاجات الفرنسية ، هل يمكن التحدث عن نظرية المؤامرة في سياق أحداث سياسية دولية دعا فيها ماكرون الى إنشاء جيش أوروبا الموحد كبديل للناتو ؟

في هذا السياق نذكر بأن الانتليجينسيا العربية ترفض نظرية المؤامرة وتسند كل أشكال الاحتجاجات الى إرادة الشعوب ، لكن ما يقع في فرنسا قد يؤكد ذلك وينفيه من زاوية أخرى ، بحيث أن اصحاب السترات الصفراء لا يحملون ألوان سياسية وهم في هذه الحالة من طينة ماكرون حسب التحليل البنيوي للحدث ، ومن تم فالجهة التي أتت به للسياسة كأصهاره ومحيط تشابك شركاتهم المهيمنة ، هي التي توجد من وراء السترات الصفراء لما تجاوز الخطوط الحمراء وحاول الخروج من عباءة أمريكا .

في نفس السياق من الممكن التكهن بتحويل هذه السترات إلى تنظيم حزبي يتمم المهمة بدون ماكرون في المستقبل ، عندئذ ستكون نظرية المؤامرة ثابتة وبالقوة لأن سياسة الأقوياء تجاه الضعفاء كلها مبنية على المؤامرة .

من زاوية أخرى ولتأكيد المؤامرة ولو بنسبة معينة ، وتبعا للتحولات الدولية المرتبطة باستمرارية إثبات وجود من له حق الهيمنة المطلقة على العالم ، ألا تسعى أمريكا إلى خلط أوراق القارة العجوز بعد أن نجحت في عزل المملكة المتحدة عن اتحادها إلى حد المواجهات الدامية بين شعوبها وأنظمتها الحاكمة للبحث عن خطة مارشال ثانية تمولها صناديق الخليج حتى لا تتمكن من الوصول إلى تحقيق تحالف اوراسيا ؟

كيف ما كانت القراءات السياسية يبقى كل حراك سياسي أوروبي خصوصا فرنسي ، هو في صالح شعوب القارة السمراء التي كلما رفعت أصواتها للمطالبة بعدالة اجتماعية كان النظام الفرنسي لها بالمرصاد .

ا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى