
حفيظة لبياض.
بقلوب يعتصرها الحزن، نودّع اليوم واحداً من أعلام الصحافة العربية الحديثة، الإعلامي الأردني جميل عازر، الذي انتقل إلى جوار ربه عن عمر ناهز 89 عاماً في العاصمة البريطانية لندن، تاركاً إرثاً إعلامياً لا يُمحى في ذاكرة المشاهد العربي.
ولد جميل عازر في مدينة الحصن بالأردن عام 1937، لعائلة مسيحية أردنية، ونشأ على قيم الانفتاح والمعرفة، فكان منذ بداياته الصحفية مثالاً للمهنية والاعتدال في الطرح، وقد بدأ مسيرته الإعلامية منذ شبابه، فكان الصوت الموثوق الذي طالما رافق جماهير العالم العربي في نشرات الأخبار وتحليلاتها، بشموخ ومهنية.
ومن محطات مسيرته البارزة كان عمله في هيئة الإذاعة البريطانية “BBC” ، حيث شغل مناصب متعددة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود؛ بدأ كمترجم أخبار ومقدم برامج في القسم العربي بين 1965 و1975، ثم تولى مهام تحرير الأخبار باللغة الإنجليزية، وتقديم برامج تحليلية حول الشؤون السياسية والعرقية في العالم، وصولاً إلى مناصب قيادية في القسم قبل أن يغادر عام 1994.
لكن محطته الأهم في الإعلام العربي كانت انضمامه إلى قناة الجزيرة الفضائية منذ انطلاقتها في 30 يوليو 1996، باعتباره واحداً من مؤسسيها الأصليين، ومهندساً لشعارها الشهير “الرأي والرأي الآخر” ، الذي جسّد روح القناة في احتضان تعدّد الآراء واحترام الحرية الصحفية.
طوال سنواته مع الجزيرة، تبوّأ جميل عازر أدواراً متعددة: مذيعاً لنشرات الأخبار، مقدمًا لبرامج حوارية مثل “الملف الأسبوعي”، مسؤولاً عن التدقيق اللغوي والإخباري، وعضو هيئة التحرير، ساهم بذلك في ترسيخ معايير احترافية عالية داخل غرفة الأخبار، وشكّل مرجعاً للعديد من المذيعين والصحفيين.
تميز عازر بأسلوبه الجاد والرصين في تقديم الأخبار، وبصوته الواثق الذي رسخ في أذهان المشاهدين عبر عقود من العمل المخلص. لم يكن مجرد قارئ أخبار فحسب، بل كان صوتاً للتوازن واليقظة والتحقيق في الأحداث الكبرى التي مرّت بها المنطقة والعالم.
وكان دائم الالتزام بمهنية الصحافة، مع حرص واضح على أن يعكس الإعلام وقائعها بوضوح ومن دون تزييف، مما جعله محل احترام وتقدير من زملائه ومن الجمهور على حدّ سواء.
رحيل جميل عازر يمثل خسارة كبيرة للإعلام العربي، ولا شك أن أثراً عميقاً سيبقى في قلوب من عرفوه أو تابعوا عمله عن قرب. ترك خلفه إرثاً إعلامياً غنيًا، ومسيرةً حافلة بالتفاني في خدمة المهنة.




