هل اختيار الحسيمة لإلقاء خطاب العرش خطوة نحو “العفو”؟…و الخطوات الموالية جماعية


يوسف العزوزي
من الحسيمة عروس الريف و جوهرة المتوسط وجه جلالة الملك محمد السادس خطاب العرش يوم الأحد 29 يوليوز 2018 بمناسبة الذكرى التاسعة عشر لتربعه على العرش، فتناغم اختيار المكان و مضمون الخطاب لبعث رسالة موضوعها الحفاظ على نعمة الوحدة و التلاحم و و الوفاء لثوابت المغرب و مقدساته و التضحية في سبيل استقراره.
و يأتي الخطاب الملكي بعد زمن سياسي تميز في آونته الأخير بالتوتر الذي خلفه تطور أحداث “حراك” الريف، و تراوح خطابه بين المطالب الاجتماعية و السياسية، فاختلفت حدته باختلاف قوة لغته و رموزه المستعملة.
كما يأتي الخطاب الملكي بعد محاكمات لنشطاء “الحراك” و الحكم عليهم بأحكام وصفت سياسيا بالقاسية، و بعد مبادرة نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال لتأسيس لجنة خاصة بهدف إرساء مصالحة مع سكان منطقة الريف، وتقديم الاعتذار لهم في حالة ثبوت علاقة هذا الحزب بأحداث الريف في العامين 1958 و1959، والتي عُرفت بانتفاضة الريف ، وقوبلت بمواجهة أمنية أفضت إلى سقوط العديد من الضحايا .
و أصبغ الملك صفة الصعوبة على المرحلة عندما قال :”إن الوطنية الحقة تعزز الوحدة والتضامن، وخاصة في المراحل الصعبة. والمغاربة الأحرار لا تؤثر فيهم تقلبات الظروف، رغم قساوتها أحيانا. بل تزيدهم إيمانا على إيمانهم، وتقوي عزمهم على مواجهة الصعاب، ورفع التحديات”.
يرى إذن ملك المغرب أن الوحدة و التضامن تقوي العزم على مواجهة الصعاب و تقلبات الظروف ، معتبرا أن العهد بين ملوك هذا الوطن وأبنائه، ما يزال حصنا منيعا، يحمي المغرب من مناورات الأعداء، ومن مختلف التهديدات.
و استعمل الملك في خطابه نون الجماعة في فقرات من خطابه معززا بتأكيد كلمة “جميعا” تعبيرا عن المسؤولية المشتركة في مواجهة الصعاب عندما قال :” كما مكننا (العهد) من تجاوز الصعاب، ومن تحقيق العديد من المكاسب والمنجزات، التي نعتز بها، في ظل الوحدة والأمن والاستقرار.
…”فالمغرب هو وطننا، وهو بيتنا المشترك. ويجب علينا جميعا، أن نحافظ عليه، ونساهم في تنميته وتقدمه. وسنواصل العمل، إن شاء الله، في هذا المجال بكل التزام وحزم، حتى نتمكن جميعا من تحديد نقط الضعف ومعالجتها.”
فهل تحمل الرسالة التي بعث بها الملك إلى المتحدثين بالعفو الملكي عن المدانين بأحكام قضائية على خلفية أحداث الريف الأخيرة دلالات سيميولوجية تتجلى في رمزية القرب من العائلات المعنية لحظة خطاب العرش كخطوة تتلوها خطوات مشتركة أشار إليها الملك عند استعماله لنون الجماعة و أسس لها حزب الاستقلال في مبادرته الرامية إلى إرساء المصالحة مع الريف ؟
إن اختيار الملك للحسيمة لإلقاء خطاب العرش يعيد إلى الواجهة ملف علاقة الريف بالأحزاب السياسية، ومسؤولية هذه الأخيرة في تجاوز مرحلة التوتر باعتبارها طرفا مهما في نون الجماعة التي تحدث بها ملك البلاد لأن دورها الحقيقي هو تمثيل السكان و النيابة عنهم .
فالمنتظر من مختلف الهيآت السياسية والحزبية، حسب خطاب عيد العرش هو “التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين، والتفاعل مع الأحداث والتطورات، التي يعرفها المجتمع فور وقوعها، بل واستباقها، بدل تركها تتفاقم، وكأنها غير معنية بما يحدث”.
و مقابل خطوة القرب و روح الخطاب المنفتحة على تدليل الصعاب أكد الملك أن المغاربة لن يسمحوا لدعاة السلبية والعدمية، وبائعي الأوهام، باستغلال بعض الاختلالات، للتطاول على أمن المغرب واستقراره، أو لتبخيس مكاسبه ومنجزاته. لأنهم يدركون أن الخاسر الأكبر، من إشاعة الفوضى والفتنة، هو الوطن والمواطن، على حد سواء”.
و استعمل مرة أخرى نون الجماعة عند قوله: “سنواصل السير معا، والعمل سويا، لتجاوز المعيقات الظرفية والموضوعية، وتوفير الظروف الملائمة، لمواصلة تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية، وخلق فرص الشغل، وضمان العيش الكريم.
و إذا كان الملك محمد السادس قد قام بالخطوة الأولى حسب هذا التحليل المتواضع فإن ترتيبات تفعيل الإرادة المشتركة للمضي في الخطوات المقبلة مسؤولية جماعية ملقاة على عاتق الأحزاب السياسية و المجتمع المدني و باقي الفاعلين،حتى يصدر العفو في أجواء سليمة ومناخ تحكمه المصلحة العليا للبلاد برمتها .




