الأربعاء 23 سبتمبر 2020

قضية مقتل الطفل عدنان!

 

بقلم “يحيا انير”

لا أعرف من أين سأبدأ ولست حقيقة أعي كيف سأبدأ، لكن سأطلق قلمي سهما يحدو حدو مصيب للهدف لأجل توضيح بعض الحقيقة وتبيان الخفي والغامض في قضية هزت الرأي العام المغربي والشارع عامة كما لاحت بظلالها الحالكة الكحيلة على كبريات المنابر العالمية من صحافة مرئية، مكتوبة ومسموعة، ناهيكم عن مواقع التواصل الاجتماعي وبوابات مواقع الأنترنيت المحلية والكونية، منها على سبيل المثال لا الحصر، هذا البراديغم الأزرق، مذيع من لا إذاعة له والذي هو “الفايسبوك”.

قُتل الطفل عدنان بدم بارد، فقد سبق ذلك اقتياده عن سبق إصرار وترصد من طرف ضنين بالغ، همّ بارتكاب أول مخططات جرمه بأن استدرج الضحية بكل ما أوتي من ذكاء وفطنة. يقال في علم الجريمة (الكريمينولوجيا) أن المجرم عادة ما يكون أشد دهاء وذكاء ومخاتلة أمام ضحيته مهما بلغ سنها، ناهيكم عن طفل لم يُتمّ بعد ربيعه الثاني عشر. لقد كانت الدسيسة والفخ مسبوقين بدراسة مسبقة عمودها التؤدة والمكر. فقاتل الطفل درس محيطه ومكان سكناه، ثم اعتمد على فلسفة جس النبض لدراسة نفسيته وتكوينه السيكولوجي؛ ذاك ما دفعه للانقضاض على ضحية سهلة الاقتياد ويسيرة تفتقد نوعا ما لمنطق المقاومة. كان يسيرا أن يغري عدنان ولو بأبسط الفخاخ فتلك حرفة الثعالب.

الطفل عدنان، وكما أُشيع، كان ذاهبا لقضاء مأرب معين بالحي الذي يقطنه، ربما لابتضاع سلعة من حانة بالجوار، هذا كل ما تحكيه الحكايات المتعددة، وهنا لست أعني ما يحاك بإضافات درامية من طرف عشاق الفنتازيا والدهشة السينمائية، فلقد سمعنا الكثير، غير أن أصل القصة والمشهد الحقيقي لا يدريه سوى الله والضحية والجلاد المجرم، ثم قلة قليلة من الكاميرات الأمنية التي صورت لمالكيها قبلنا بعض المشاهد (لقطات لا تسمن ولا تغني من جوع) التي يظهر فيها قاصر بجوار شخص بالغ وكأنهما يعرفان بعضهما البعض. في فيديو أقرب ما يكون لفيلم هوليودي، يظهر الطفل مترجلا بمعية القاتل، إذ يظهر الطفل من خلال خطواته وحركات يديه الميكانيكيتين أنه منصاع دون إكراه أو يبدو عليه ارتياح للجاني لغاية في نفس يعقوب قاتله. أهذا لا يؤكد فرضية أن المجرم كانت له علاقة قبلية بالطفل المغتصب المقتول؟ هذه الفرضية كثيرا ما دقت ناقوس الظنون في كياني (كل مجرم يحاول أن يصاحب ضحيته قبل افتراسها). بعد كل هذا، يبقى الجواب عند المختصين من سلطات معنية وأمن وقضاء ونفسيين أطباء؟

سأعرج الآن في بضع سطور للتحدث عن الأسرة الصغيرة جدا: الأب والأم والإخوة، ثم الأسرة الصغيرة: الأقارب والأهل، ثم الأسرة شبه الكبيرة: الجيران والمارة، وأخيرا الأسرة الكبيرة جدا، والتي هي المجتمع قاطبة بشتى تلاوينه من مجتمع مدني وغير مدني…

أولا، كيف لأسرة عدنان أن تجعل الفرد الذي يكون سفيرا للتبضع وهو ما يزال في سن صغيرة؟ أليس غباء ذاك، سيما أنه يعيش ويقطن في مدينة كبيرة، يختلط فيها الصغير بالكبير، والغريب بالمعروف؟ إنه مسمار جحا مدقوق في حلوقنا الآن، إذ هنا مربط الفرس. سيتظاهر كثيرون مدعين أن العطر من يجذب الأنوف، فالجريمة هي التي ستجعل المجتمع يحذر، ولكن ماذا لو كان الحذر سباقا؟ ألا يقال أن الوقاية خير من العلاج؟ لماذا إذا تم تكليف صبي بمهام الكبار خارج البيت؟ كان الأجدر أن يكون له مرافق أو مرافقين، سواء كان طفلا أو فتاة، وهذا ما نشهده في مدن أخرى تحدث فيها مثل هذه الاختطافات والاغتصابات التي تُفقدنا جميعا السيطرة على أعصابنا. لو كان لي ولد لخصصت له رجل أمن خاص، طبعا بعد هذه الحادثة، أما قبلها فلن أبعث رفقة له أحدا بدعوى “البلاد فيها الأمان” الأمان.
لا لوم على الأم الجريحة، ولا لوم على الأب المكلوم، ولا لوم على الإخوة المنغصين. لقد وقعت الواقعة فليس لوقعتها كاذبة. لقد مات عدنان في سن مبكرة وهو في ريعان صباه، الصبي الصغير، غلام تمناه الموت فريسة فاختار له قاتلا لا يعرف سوى هتك العرض وإخفاء الجثة قرب شجيرات صغيرة.

ثانيا، بالنسبة للمجتمع الذي يعيش فيه عدنان، لو كانت ثمة حوادث مسبقة مثل التي هي حديث الساعة لكان الجميع حذرين وفي أهبة الدفاع عن شرف الصغير قبل الكبير، وعند العجلة في حماية الأعراض قبل الممتلكات والأموال؛ إنما لابد للنار أن تشتعل في الفتيل ليهم الماء لإطفائها ولو بعد حين. أما ساهم المجتمع في كشف الحقيقة؟ بلى، فلقد ساعدت الكاميرات في كشف أصبع من الحقيقة، وها قد تم إزالة الستار عن اليد الفاعلة بكامل أصابعها الآثمة. أصابع الغدر الشيطانية التي ما رحمت حياة تعطشت للحياة عينها. ها قد رحل عدنان تاركا وراءه دموعا تتساقط مطرا، بل جمرا يحرق الشعب المغربي بكل أطيافه. (وأنا أكتب هذا المقال المحزن ترقرق الدمع بمحجري وابتلعت المقل فيضها كون المآقي تجعدت).

ثالثا، لا أيديولوجية للقاتل غير إيديولوجية التعدي، فهو قبل أن يرتكب جرمه، لابد أنه كانت له إما حسابات دقيقة مع شخص من أقارب العائلة فنفذ فعلته كانتقام وجزاء على تصرف شخص آخر عربونا لمشكل أو قضية ما تربطه مع قريب للمجني عليه. من جهة أخرى، وهذا ما لا يمكن نفيه، قد يكون المجرم عاشقا للأطفال أو ربما بالكاد تعرض للاغتصاب بصغره، أو يعاني من مرض حب الصبيان أو ما يصطلح عليه علميا بعبارة البيدوفيليا (وهي الميل للأطفال الصغار مع الرغبة في اغتصابهم وهتك عرضهم). نحن نعلم جيدا أن جميع المجتمعات لا تتسامح مع “البيدوفيل”، أو مغتصب الأطفال؛ ففي عدد ليس بالكبير من الدول يتم إخصاء مثل هؤلاء الذين يفعلون هكذا جرائم تتنافى مع الانسانية، وللحق، أنا ضد عقوبة الاعدام، إنما أؤمن بحق الحياة، فالقتل المسبوق بالاغتصاب لا يوازيه سوى القتل بالاعدام: إما رميا بالرصاص، قصاصا بالسيف، أو شنقا بالحبل كما يحدث الآن في دول إسلامية مثل إيران والسعودية والعراق إلى غيرها من دول ترى أن جرائم الشرف المتعلقة بالاغتصاب وهتك الأعراض والقتل المرفوق بالأذى لا يستحق مقترفوها إلا الإعدام. أرى مثل أناس كثر أن قاتل عدنان لا يستحق الحياة، إذ الموت ليس جزاءه، بل الموت مرتين أو ثلاث. لن يكون القاتل بالموت سوى عكس بروميثيوس، فإن كان الأخير فعل خيرا في العباد، فالأول فعل شرا وهتك عرضا وقتل نفسا طاهرة.

تم والحمد للمولى تعالى استشفاف الحقيقة أخيرا، عرفنا صغارا وكبارا مآل جثة الطفل. كنا نتوق لأن يعود إلى أهله سالما منعما، لكن خوف القاتل دفعه أن يطمس الحقيقة بالقتل العمد في عيني الصغير قبل لسانه. إنها الحقيقة المثلى، لقد دفع عدنان ثم خوف القاتل المجرم من البوح؛ البوح الذي إن كُتب أن يحدث أصلا، والذي بالكاد سيقود المغتصب لغياهب السجون. القاتل حجته في قلبه، تعتريه حتى يوارى مثواه الأخير. لذلك فكر المجرم في أن ينهي حياة الصغير، إذ ذاك سينتظر القصة الآتية سواء كشفت أم لم تكشف. ليتجدد السؤال، هل سيتم إعدام قاتل عدنان أم أنه سينضاف لكل القتلة المغتصبين بهذا الوطن وأشهرهم سفاح تارودانت، الذي يتذكر جلنا أنه قتل تسعة نفوس خنقا بعد اغتصابهم، وجزاؤه الساري للآن ليس سوى المؤبد. مضحك أن يكون عائشا يقتات بذنوبه من خيرات الوطن المكلوم.

لقد وقعت الواقعة فليس لوقعتها كاذبة. مات عدنان الصغير، أمه تبكي حرقة وأبوه كمدا. أما نحن وإن بكينا واحترقنا وأشفقنا على والديه فلن نبلغ الخنساء في بكائها وهي ترثي أخاها صخرا. لا خنساء في هذه القضية سوى تلك التي أنجبته وأرضعته وتحملت تربيته، وأباه الذي أطعمه ومنحه حنان السماء.

رحمك الله تعالى وأسكنك فسيح جنانه يا بني الصغير، فلترقد روحك بسلام حبيبي عدنان. أسأل الله تعالى أن يسكنك فردوسه الأعلى، وأن يجعلك من طيور الجنة، وأن يكلفك لكي تصير من خدامها. ما عادت الأرض ترغبك سدنا وخادما. لقد منحتك تذكرة السفر الغدري للرمس، هناك حيث ستظل تطرح سؤالا سيؤرقنا قبل تأريق قاتلك الجبان، ذاك الكلب المسعور ذو كبد الشياطين الأبالسة. والسؤال هو: لماذا اغتصبني وقتلني ببشاعة ذاك الغريب؟

شاهد أيضاً

رقم قياسي في عدد حالات التعافي بالمغرب خلال 24 ساعة الماضية

أعلنت وزارة الصحة، اليوم الإثنين 21 شتنبر الجاري، عن تأكيد إصابة 1376 حالة جديدة بفيروس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اكيد 24