مسار المـقـاوم أحمـد ابن قـليلـو التـازي المحكوم بالإعـدام
مَحمـد العلـوي الباهـي
هو المقاوم أحمـد بن الحاج الجيلالي ابن قليلـو التـازي أحد المحكوم عليهم بالإعدام في الرباط أيام الحماية الفرنسية.. من المناضلين المغاربة الذين وهبـوا أرواحهم فداء لحرية البلاد وكرامة الوطن واستقلاله..
من مواليد مدينة تازة العليا سنة: 1351 هـ/ 1932م بأقـدم درب بها.. وهو درب الزاوية الجبشيـة الذي اكتسـب الكثيـر من الإحترام والتقدير شعبيـا وبظهائر ملكية بحوزتنا، وذلـك بسبـب وجـود وسط هذا الحي ضريح المجاهد الأديب الصوفي الكبير سيدي امَحمد ابن يجبش التازي الذي جاهد الإستعمار البرتغالي بالقلم والسيف، وهو أشهر من كتب وألـف شعرا ونثرا في جهاد المستعمر (ت:920 هـ/ 1514م).
بهذا الدرب عـرفََََـت ساكنة تـازة أحمد ابن قليلـو شابا وقورا مُهـاب الجانب، يحترمه الجميع، يجتمع إليه أقرانه وينصتون لأطروحاته وأفكاره في السياسة وممارسات الاستعمار الفرنسي ضـد الوطنيـين.. كان يفضل النقـاش الذي يكون حول القضايـا الوطنية.. كان يتتبـع الأحداث والأخبار ويُـبدي رأيـه فيها بكل هـدوء.. حتى إذا غـاب عن مدينته ليتابع دراسته في الرباط مع مجموعة من توازة منهم: عزوز بن علال، عبد الرحمان الصفار وعبد القادر بوسلهام. يعود في كل عطلة ليجتمع مع زملائه في جلسات خاصة لا يبتعد موضوعها عن الشأن السياسي والثقـافي.
وهو في الرباط ، ترقب أصدقاؤه في تازة منه فعـل شيئ هـام هناك؛ خاصة وأن الأحداث قد تعـاقبـت في ظروف دقيقـة وأخطرها نفـي ملك البلاد محمد بن يوسف يوم 20 غشت 1953. وفعـلا صـدق تخـميـن الأقـران.. إذ أعلنـت وسائل الإعلام أن وافـداً على العاصمة الرباط قادما من تازة، ضُـبط ضمـن خليـة سريـة؛ وقد قـام بعـدة عمليات فدائية، وتنفـيـذ قَـتْــلْ . فاعـتُـقِــل وحُـكـم عليه بالإعـدام يوم: 12 أبريـل 1954.
اهـتـزت تـازة للنبـإ .. افتخـارا لا حـد له، مُـعتبـرة أنهـا تُـقـدم أبناءَهـا الواحـد تلـو الآخـر فـداء للـوطـن .. فهـذا عـلال بن عبد الله القـادم من تازة إلى الرباط ، وقد استشهـد في أروع المشاهـد الفدائية التحررية في العالم، الموثقة بصورة معبرة بتاريخ يوم: 16 شتنبـر 1953. وهذا عبد الرحمن بن سعد في السجن المـؤبـد. وإبراهيم الوزاني (ابن عبادة) مُختطـف جنان بريشة بتطوان. ومحمـد أبوعبد الله(المدير) ومَحمـد الأمراني (القائد) وغيرهمـا في المنافي والعذابات.. الخ.
وقد عجزت شرطة الاستعمـار وقـسـم استعلاماتـه تحديـد ومعرفـة سـر هـذا المَـد المسترسل الجارف القـادم من تـازة في صمـت واستماتة وإصـرار. ولمـا لـم يهتـدوا لشيئ.. شـددوا المراقبـة وتحسـسوا الأنفـاس.
وقد ربـط المستعمـر في بعض تحقيقاته بين الفدائي أحمـد ابن قليلـو والشهيـد عـلال بن عبد الله؛ الجـاعليـن من العاصمة الرباط مكـانا مفضلا لتنفيـذ العمليات الفدائيـة الجريئـة في تحـد لا مثيـل لـه؛ ونقطـة انطلاقهمـا لم تكـن إلا تــازة؟.
أبناء تـازة حينهـا بدأوا يعتبرون أن صديقهـم أحمـد ابن قليلـو يُـعـد من المفقـوديـن.. كـل صبـاح يستيقـظ الواحـد منهـم مدعـورا ظـانـا أن حكـم الإعدام قـد نُـفـذَ مع الفجـر.. وقد اختـرق الرصاص صدره وسقـط شهيـدا.
كـان لي أعظـم شـرف أحرزتـه وأنا في بداية عقدي الثاني.. أتزاحم مع شخصيات المدينة ووطنيـيها.. فأصِـلـه وأمـدُّ لـه يـداي؛ فينحني ونتعانق وقبلاتنـا مبللـة بدمـوع الفـرح.. ويتعاقـب على السلام عليه وتهنئتـه كل الـوَفـد القادم لاستقبالـه وسـط الهتافـات الحماسيـة والأناشيـد الوطنيـة.
حدث ذلـك لما عـاد المجـاهد الأول محمد بن يوسف (الخامس) من منفاه حامـلا للمغـرب استقلاله. وتنفيـذا للبروتوكول المرافق للتصريح المشترك المتعلق باستقـلال المغرب المـؤرخ في 2 مارس 1956 تم اطـلاق صـراح المعتقليـن السياسييـن وضمنهم أحمد ابن قليلـو.
وقد انقلبت تازة ليوم وصـوله إليها حيث خُصصـت السيارات الكبيرة والصغيرة والحافلات لحمـل كـل من أراد الذهاب لاستقباله خـارج المدينة.. فاصطفـت هذه العربات بساحة المدينـة أحراش وهي ساحة مولاي الحسن، وركب فيها الناس حتى مُـلِـئـت واتجهـت نحو طريق الرباط وهتاف الراكبين وأناشيدهم الوطنية تعلو وتتصاعـد.. وعلى بعـد 12 كلم حيث باب مرزوقة، وقـف الكـل في انتظاره يردد المنظومات الحماسيـة والشعارات الثورية والأناشيـد المختلفـة.
ولمـا وصل مع وفـد يرافقـه؛ عـلا الهتـاف بكلمات الترحيب والسلامة والانتصـار والاستقلال.. واشتـد العنـاق والتقبيـل والمصافحة.. وكُـنت أصغـر المهنئين المستقبليـن مع من حضر من سكان دربنا.. ودخـل الموكـب المدينـة في ذلـك اليوم: 3 مـارس 1956، وكـان يوما مشهودا في تاريخ تـازة المناضلة.
أختِـزِل الأحداث.. فأُسجـل استقطاب حزب الاستقلال لـ أحمـد ابن قليلـو وتعيينـه كاتبا لفرعـه في تازة.. وقـد أصـر الزعيم علال الفاسي على حضوره شخصيا في حفل زفافـه لمكانته في المقاومة المغربية وكفاءته في التسيير والتـأطيـر.. وفعلا حضر السي علال إلى بيت ابن اقليلو بمدينة تازة يوم 22 فبراير 1958. ونشرت جريدة العلم خبر ذلـك.
لم يكن المترجَـم لـه ابن قليلـو مقتنعـا في داخلـه على ما يبـدو بأهداف حزب الاستقلال وبرامجـه.. حتى إذا حـانت الفرصـة كان من المنشقيـن عنه والمؤسسيـن لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
باختصار.. حتى إذا مـرّ حوالـي ربع قرن على استقلال المغرب.. بدأت مذكرات المقاومييـن تُكتـب وتُُـنشـر، ومؤلفات المقاومة المغربية تَـظهـر.. حينهـا قرأنا بعض أخباره واستدركنا بعض صوره.
فهـذا المجاهـد الحسين الزعـري في كتابه: “مذكرات مقـاوم” يتساءل عن: “من هم المقاومون الحقيقيون في عاصمة المملكة الـرباط ؟” ويجيـب عن هذا التساؤل الذي طالما تردد على ألسنـة الكثيريـن وخاصة الشباب مُـبسطا مذكراتـه ذاكرا أسماء رفاقه في الكفاح والاعتقال وخاصة التسعة الذين حكمت عليهم المحكمة العليا في الرباط بـالإعـدام، وضمنهم مناضلنـا أحمد ابن قليلـو.. ولم يفت المجاهد الزعري التذكير كذلك ببعض الصحف التي نشرت أسماء هؤلاء المناضلين ووقـائع محاكمتهم..
وهذا الأستاذ عبد الرحيم الودغيري في فصل الاعتقالات والمحاكمات من كتابه “المقاومة المغربية ضد الحماية الفرنسي”(1952/1956) أورد اسـم ابن قليلـو ضمن أسماء من أدانتهم محكمة الرباط بتهمة الهجومات المساـحة التي قاموا بها ما بين 24 نونبر1953 و16يناير1954 في الرباط وسـلا.
وسجل أسماء من دافع عنهم من المحامين وهم الأساتذة: محمد البوحميدي، أحمد رضا كديرة و بيسبيـرو كـاتي .
وقد انتهت المحاكمة بإصدار حكم الإعدام على أحمد ابن قليلـو إلى جانب ثمانية مقـاومين آخرين وهم: محمد الجوهاري،عبد الرحمان الشرقاوي، المكي بن عبدالله، عباس الزموري، عمر العطاوي، مصطفى كديرة، المعلم حمـو، الحسين الزعري.. أما الآخرون، فمنهم من حُكـم عليه بالسجن النافـذ ما بين 10 و30 سنة.
توفي أحمد ابن قليلـو في مدينة الرباط عن عـمر يناهز 84 سنة وذلك يوم السبت 19 ربيع الثاني 1437هـ الموافق لـ 30 يناير 2016 في آخر ثانية من اليوم،حتى أن هناك من عـدّ موته داخلة في اليوم الموالي 31يناير 2016.




