الإثنين 16 ديسمبر 2019

ارشيدة.. من حاضرة كتبت التاريخ ، إلى قرية همشها أعداء التاريخ

محمد الصديق اليعقوبي

كل طرق الإقصاء و التهميش المعلن و الخفي تؤدي إلى ارشيدة (نواحي جرسيف)، هذه القرية التي من فرط اللاتغيير و اللاإقلاع المضروب عليها، تحصي مآثرها كما تحصي الخيبات التي عمرت عجافا لسنوات عديدة ، و هي الطفلة التي كانت فيما مضى ،تنسج للتاريخ عباءات و ابتسامات للعابرين والمولعين بالعلم والمعرفة المشرقة للذاكرة الحية ، ارشيدة وإن إختلفت الروايات كانت قبلة الحالمين بنقش الإسم و وشم الخطوة و هي تمشي مزهوة نحو ذلك الغد الذي سيذكره التاريخ و لن ينساه رغم محاولة بعض المتكالبين عليها ، كانت البدء و المنطلق لحضارة يفتخر المغرب الشرقي كله لكونه ينتمي إليها و تنتمي إليه، و العاشقون لها الجدد ها هنا ، يكتبون سيرة القرية التي كانت فيما مضى قبلة لأهل العلم والعلوم، وأصبحت اليوم رصيف العابرين نحو التهميش و الإذلال في كل تجلياته ، سؤال قد يطرح ماذا صنعت ارشيدة لكي تساق و سكانها الطيبون نحو الموت السريري؟ فلا التعليم تعليما، يفتقد لأدنى الشروط التربوية و التعليمية، مدارس مهترئة، نخرتها السنين و أكلت من حائط مبكى الأبجديات، مؤسسات تعيش دمار سياسات القطاع.
وإعدادية يتيمة تبعد عن القرية والدواوير بحوالي 20 كلم ، إنه رسم سريالي، تجريدي لا يمكن لأي باحث أن يفك طلاسيمه المعقدة .
الجبال هنا صامدة صمود ساكنتها، غابات و شعاب، و كل المؤهلات الطبيعية الفاتنة تعطي الإنطباع الجميل و الحالم، أن المنطقة مؤهلة لكي تلعب دورا مهما و فاعلا في النسيج السياحي، الغابات هنا تتوفر على ثروة نباتية و حيوانية مهمة جدا، لكن غياب سياسة ترشيد حقيقية للقطاع الغابوي و غياب شبه تام لفعاليات المجتمع المدني و كذلك تقاعس المسؤولين في أداء واجبهم المهني، أفرز لنا واقعا غابويا يدمي الفؤاد، نهب شبه يومي للغابة و قتل ممنهج لكل معالمها و ملامحها، قطع كل مختلف الأشجار بطريقة وحشية وغياب إن لم أقل تواطؤ، المسؤولين عن حماية الغابة من هذا الدمار الكاسح الذي قد يؤدي بنا إلى كارثة بيئية ،
قلت و أعيد، أن كل الطرق تؤدي إلى معاناة هؤلاء الشرفاء الطيبين، في صمود يبتسمون للجرح، يضمدوا جراح بعضهم البعض، قد ينسل المرض إلى أحدهم لدغة عقرب، يكتفون بما تعلموا من وسائل الصمود أمام المرض و النكبات الصحية، فالقطاع اللاصحي مريض في كل ربوع هذا الوطن العزيز ، لكنه هنا على فراش الموت يكتب وصيته الأخيرة : ” تدبروا أمركم أيها الفقراء “، مستوصف واحد يتيم يأتي إليه المرضى من كل فج سحيق ، ممرض(ة) واحد(ة) ولا أثر لوجود طبيب(ة) و مولدة ، لا شروط صحية و نظافة المكان أعلنت الحياد ، كل الأخطاء الطبية واردة هنا ، فمخاض الولادة يطلب التأجيل ،سيارة إسعاف واحدة ووحيدة مهترئة تصهر على تسييرها جمعية محلية تتوسل من يسعفها من هذا المآل ،
كفاكم عبثا بهؤلاء المستضعفين، الذين شاءت أقدارهم أن يمشوا في الظل ،لا يلتمسون سوى جرعة كرامة ،فالواقع المزري لكل هذه القطاعات الحيوية و مشاهدها المرضية تعطي الدليل أن الصبر مع الصمت هو مسار حياة فرض على كل المستضعفين هنا ، و ربما غدا أو بعد غد ، قد يتحول بحد سلطة البحث عن العيش الكريم إلى أفواه تجيد الدفاع على منظومة الإنسان في كل تجلياتها و بكل الطرق .

شاهد أيضاً

القديم يتجدد، إحياء المادة الثامنة مكرر من مشروع قانون المالية لسنة 2017 في قالب المادة التاسعة من مشروع قانون المالية لسنة 2020

  فاطمة الزهراء عبيوي . عرض وزير المالية و الاقتصاد و إصلاح الإدارة محمد بن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اكيد 24