سياسة

حوار صريح مع شابة “لادينية” من وجدة

قدرت بعض  الدراسات أن 7٪ من المغاربة يُعتبرون من اللادينيين،  بالإضافة  إلى عشرات الآلاف من  المقتنعين  بالإلحاد  علما أن معظمهم  يفضلون التستر عن كونهم لادينيين لتجنب المشاكل مع محيطهم وأسرهم.

و بما أن المغرب يعيش حالة مميزة تطبع حرية الفكر فقد ارتأت الجريدة فتح صفحاتها أمام  سمية من مدينة وجدة للتعبير عن قناعتها بهذا التيار بكل حرية، و تمكين الوسط الفكري المغربي من التعرف على هذا التوجه و دوافعه و تعريفه لنفسه و علاقته بالدين الإسلامي و باقي الأديان ، إن كان الأمر يتعلق فعلا بقناعة أو مرحلة ضمن مسار البحث عن الحقيقة.

تقديم و حوار يوسف العزوزي

 

سمية  فتاة وجدية لادينية ، هل تعلم أسرتك بذلك؟

أكيد أسرتي على علم بتوجهاتي الفكرية،فقد تعودنا في علاقتنا مع بعض على الوضوح،نتشارك كل شيء بما فيها حيرتنا و أسئلتنا الوجودية،وكثيرا ما دخلت في نقاشات مع والدي و ووالدتي حول الحياة و الأديان و حرية الرأي ،لم تحدث صدامات بيني و بين أسرتي بسبب أفكاري كون النقاش  كان يطرح بشكل  موضوعي بحثا عن خلاصة تساعدني على فهم الوجود بشكل أفضل  ،ورغم أني من أبوين مسلمين محافظين،هناك احترام تام من طرفهم لمعتقداتي.

 

هل اللادينية في نظرك انتماء أو دين  أو قناعة أو تيار و لماذا؟

في نظري اللادينية في الوطن العربي عند الأغلبية هي هروب ،هي طريق للبحث عن الحرية و الخوض في المحظور بكل أجناسه،خصوصا معتنقي اللادينية من العرب،فبين أحضان اللادينية سيكون المرء في معزل عن عذاب الضمير الذي يخلفه الدين كمعتقد بتصنيفه للأمور لحلال وحرام،فاللادينية عند الأغلبية “المتدينة سابقا ” باب من أبواب الإنفلات من سطوة القيود،فكل شيء مباح مدام لا يؤذي أحدا هذه العبارة هي المرجع الأول للسواد الأعظم من اللادينيين هذا فيما يخص اللادينيين العرب،أما بالنسبة للغربيين فهي قناعة  تأصل لدافعية البحث العلمي أكثر من كونها هروبا .
أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال المتعلق بلماذا؟بحكم أن الشخص يبحث عن بني دينه فقد جمعتني صداقات  إلكترونية بلادنيين عرب من مختلف البلدان المغرب،الجزائر،سوريا،السعودية،كنا نخوض في حورات حول الأديان،من خلال ملاحظاتي لمنحى النقاشات يؤسفني القول أنها دردشات تجسد العبارة المصرية الساخرة ” دا حافظ مش فاهم”،تجد الشخص يدندن بالكلمات،والعبارات الإلحادية دون فهم عميق،حوارات دون جوهر،شباب خرج من دين آبائه “المتطرف” على حد اعتقاده،ليدافع عن نحلة لا يفقهون كنها” بتطرف”،تناقش  النصوص الدينية بحقد بعيد كل البعد عن المنطق،كما أن أغلب المنشورات التي كانت تنشر على المجموعات الإلحادية التي تجمع اللادينيين العرب عبارة عن منشورات خمر ،أو فتيات عاريات تعبيرا عن الحرية الشخصية  ،أو منشورات عن المثلية الجنسية تعبيرا عن الحرية الجنسية …..،منشورات أغلب تعليقاتها  سب و شتم بين المتدينين  و “المتدينين  سابقا “نادرا ما كانت تنشر بوستات علمية للمناقشة  الفكرية الموضوعية ،الشيء الذي أحالني للخلاصة التالية  : العرب يجسدون من خلال اللادينية أنفسهم فقط،نحن العرب كائنات بعقد مركبة ساهمت في بلورتها عوامل مجتمعية و تاريخية كثيرة جعلت من العقل العربي محبا للعدمية،كائنات غالت خمر الجهل عقولها ،تنادي بما لا تدرك ،فسواء كان الإنسان العربي دينيا أو لادينيا هو يجسد فقط قشورية العقل العربي.

 

 

ما هو تعريفك للادينية ؟

 

كتعريف عام يتفق عليه اللادينيون اللادينية  ترفض وصاية  الدين على حياة الإنسان وتؤمن بحق  الإنسان في رسم معالم حياته واختيار مصيره بنفسه دون الالتزام بشرعة دينية،  وتعتبر  النص الديني  نص بشري محض ،بما معناه الاعتقاد ببشرية الأديان، بصرف النظر عن الاعتقاد بفكرة وجود إله  أو عدمه  .

اللادينية ضمن هذا الفهم تختلف عن المبدأ التقليدي للإلحاد الذي يتخذ من  نفي وجود” إلاه ” منطلقاً أسمى،  حيث أن  اللادينية  تحمل   صورا متعددة لفهم الربوبية  من الإنكار الكامل لها مرورا باللاأدرية وانتهاءا بإيمان خاص بوجود إله خارج منظومة الدين.

وبعد وضع هذا الإطار العام  سيجد  تعريفي للادينية طريقه، فمن منطلق تجربتي  الخاصة اللادينية هي الإيمان ببشرية الأديان،الدين أوجده البشر بحثا عن قانون ينظم العلاقات بين الإنسان و الكون،وبين الإنسان ونفسه،وبين الإنسان والآخر،وبين الإنسان و المجهول.
تفاعلت المتوارثات الفكرية و المجتمعية لتأتي إلينا في شكل نصوص  دينية استمدت شرعيتها من منطقيتها،خصوصا أن الكثير من تعاليم الدين هي تعاليم تحترم وتطبق،الدين يحرم السرقة،يحرم الكذب،يحرم الخيانة،يحرم القتل،الدين يدعوا للصدق،يدعوا للأمانة،يدعوا للإخلاص،يدعوا للعفة ….وكلها تحفيزات  للتحلي بالأخلاق التي لا يتخلى عنها إلا خسيس هذا من جانب.
من جانب آخر إعتقادي ببشرية  الدين،لا تعني مطلقا إنكاري لوجود الرب،فأنا أومن إيمانا تاما بوجود إلاه للكون،و دائما في جلسات تأملي للوجود أطلب من الله أن يساعدني في رحلتي ،فالإلاه أجده في  أعماقي،في سمعي ،في بصري،في دقات قلبي،في علاقتي بأسرتي،في علاقتي بزوجي،في كتاباتي ،و أقترب منه أكثر من خلال سطور المقالات الفلكية التي تتحدث عن الإكتشافات العلمية و الثقوب السوداء،و السوبرنوفا،و الطاقة المظلمة في الكون،و الزمكان….فالأسرار الكونية لها سحر  يقودني للحضرة الإلاهية إن جاز التعبير حيث أستشعر فعليا عظمة خالق الوجود.

هل يعرف اللادينيون أنفسهم بنفس التعريف، و هل لهم مرجعيات فكرية أو روحية  يستلهمون منها مبادئهم ؟

 

سأجيب على هذا السؤال بإضافة لفظ اللادينيون العرب لأكون أكثر موضوعية لأننا نتحدث عن اللادينية في الوطن العربي كونها تختلف كل الإختلاف عن اللادينية في الغرب،شأنها شأن سائر الأمور .
اللادينيون العرب يستلهمون مبادئهم من رواسبهم الفكرية المشوهة ،مع تزيين ملامحها بعبارات  إلحادية مسروقة من كتب فلسفية  أو علمية لم تلامسها عقولهم ،و قد أشرت للفكرة سابقا  لذا لا أريد اجترار الكلمات ، باختصار” اللادينية العربية ” ظهرت في العالم العربي والإسلامي حديثا،كدعوة  سرية  لا شرعية لها،حيث طفت للسطح  في السنوات الأخيرة مجموعات إلكترونية  تحاول نشر الفكر الإلحادي في العالم العربي ، يتبادل اللادينيون العرب عبرها  الآراء تحت أسماء  مزيفة ،ومعظم رواد هذه المجموعات  يقبعون  في مرحلة الحقد عن الدين الملجم “للعهر الفكري العربي “، في مقابل اللادينية أو  الإلحاد الأوروبي الذي  يسعى  لجعل اللادينية أو لإلحاد يرتقي إلى مستوى فلسفة مستقلة لها تطبيقات عملية غرضها الأسمى الموضوعية و البحث العلمي وليس التشكيك والطعن بالديانات.

ما الفرق في نظرك بين الإسلام و المسيحية واليهودية ؟

الإسلام و اليهودية و المسيحية،ديانات أبوية، ما يشار إليه   أيضا بالأديان الإبراهيمية ،نسبة” للنبي” إبراهيم  .
يمكن أن أجيب استنادا لعلاقتي بالقرآن و تعاليم الإسلام و قرائتي للإنجيل و تعاليم المسيحية باختلاف طوائفها،سيظل فقط بعض الغبار المتناثر على الديانة اليهودية كوني لم أصل بعد لأي نسخة مطبوعة من التوراة،فقد كانت لي بعض القراءات  التوراتية لخربشات إلكترونية غير مترابطة .

مبدئيا تربط  الإسلام و اليهودية و المسيحية، علاقة  إحتواء،فالاسلام جاء تاريخيا بعد المسيحية فاحتوى اليهودية والمسيحية ، و المسيحية جاءت بعد اليهودية فاحتوت اليهودية واعترفت بها، فالاعتراف الأديان ببعضها  مسألة تأريخية محضة،اليهودية والمسيحية والإسلام ثلاثة أسماء مختلفة  لرسالة أبوية  متعاقبة تاريخيا،احتوت بعضها البعض  بعناية  ،كما  أن الأبوية ليست الصفة الوحيدة التي تجمع بين الإسلام و المسيحية و اليهودية، فإذا قورنت الاختلافات بالتعاليم المشتركة  بين هذه الرسالات سنجد أنفسنا  أمام رسالة واحدة تدعوا إلى  توحيد  الله وتأمر بالأعمال الصالحة  وتنهى عن الأفعال الدنيئة .

 

ما الفرق في نظرك بين الديانات السماوية وغيرها؟

 

أعتقد أنك تقصد بالديانات السماوية الديانات الإبراهيمية،في نظري جوهر الأديان لا يختلف مطلقا مهما تعدد المسميات الإسلام ،المسيحية،اليهودية،الصابئية،البوذية،الزرادتشية……كل أديان وجدت لغرض سامي،هو الحث على الفضيلة و العمل الصالح.

ما هي مبادئ الديانة الأقرب إلى نفسك؟

أومن أن جوهر الأديان جوهر روحي محض غرضه الحث عن الفضيلة و النهي عن الرذيلة،و البحث عن حياة أكثر انسجاما،لذا نفسيا لا أملك أي عداء تجاه أي دين،أحترم جميع الأديان و الطوائف،و احترامي نابع من إيماني بروحية كل الأديان.

كل النحل  في أصلها تدعوا للأمانة و الشرف و الصدق و الحب و احترام الآخرين و تقدس الحياة البشرية و هناك أديان تقدس الحياة الحيوانية ،بالمقابل لا يمكن أن أعلن قرب ديانة ما لنفسي،فهذا القرب قد يعني إقراري بشرعية  تعاليم  لا أومن بشرعيتها ،فما يعيب الدين هو استغلال قداسته الروحية المحفزة للنفس البشرية للتحلي بالفضيلة،لأغراض ذاتية ، كون كل ما جاء في غلاف ديني يمرر للعقل المتدين باختلاف النحل و الملل دون مناقشة،فقد استغل الدين للوصول للسلطة ،استغل الدين لتحكم بالمرأة،استغل الدين لتبرير حب الرجل للنساء (التعدد)….

ما يبعدني عن دين بعينه هو الوصاية  الدينية  التي تمارس بشكل فاضح .

الدين الحقيقي موجود في أعماق كل إنسان،إنه الصوت الداخلي الذي يميز جيدا بين الخطأ و الصواب،إنه الصوت الذي يخبرنا أن في الصدق النجاة،وأن الثقة أساس كل علاقة ناجحة،وأن مساعدة الآخرين بلسم لجروح الروح،وأن إحترام الإنسان يعني أني لن أسرقه،لن أزني بعرضه،لن أتطاول على سمعته،لن أفكر في قتله،لن  أخونه ولن و لن ……أعتقد أن ضجيج العالم الصارخ،وإعارة عقولنا للغير هو ما يمنعنا من الإنصات لصوت الضمير الكامن في أعماقنا،والذي زرعه رب الكون في جيناتنا الجسدية و الروحية.

سأقول أقرب دين لنفسي هو “الربوبية” ،لأنها وحدها تعلمنا أن نكون أخيارا للخير ذاته،لا طلبا للجنة و لا هربا من النار،تعلمنا أن  الحياة يجب أن  تعاش وفقا لاختيار حر،

لحظات الإختيار وحدها كفيلة بكشف حقيقة  كل إنسان،ونحن نعيش عمرا بحثا عن حقيقة ذواتنا.

هل تعتبرين لادينيتك قناعة قوية أو مرحلة تيه و شرود أو محطة  سفر  للبحث عن الحقيقة؟

اللادينية مرحلة من مراحل رحلة مضيت فيها منذ أكثر من خمس سنوات،بحثا عن الحقيقة،حقيقة ربما لن أصل يوما إليها،لأن الحياة البشرية هي فقط جزء من رحلة لا تزال في بدايتها،فالوجود أحجية يصعب فك طلاسمها.

لم تأتي اللادينية لحياتي كوجهة خطط لها،بل جاءت نتيجة لعوامل متداخلة لن أخوض فيها.

اللادينية طريق تختارنا كمرحلة من مراحلة المكاشفة الكونية.

أريد أن أقول أن الله منحنا روحا ذكية جدا ،قوية جدا ،

و مقدسة جدا،لكن الجهل و إحتضان قناعات لا نفقه كنها أمر آثم يسيء لعلاقتنا بالله.

يجب أن نتخلى كعرب عن عادة إيمان العجائز بكل معتقد يطرح أمامنا،طريقي  بمعية  اللادينية لا يعني أني على صواب كما لا يعني أن أحدا يملك حق توجيهي لمسار آخر،لأنها تجربتي الحياتية و أنا المسؤولة عن كل تفاصيلها أمام نفسي و أمام خالقي.

و أخيرا تختلف السبل لكن كل الطرق تؤدي  في نهاية المطاف لله.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى