
حاوره الصحافي موسى راشيدي.
حوار صحافي مع الدكتور عمر أعنان، البرلماني السابق عن دائرة وجدة–أنجاد، وعضو المكتب السياسي وكاتب إقليمي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
في هذا الحوار، يستعرض الدكتور عمر أعنان، الأستاذ الجامعي والباحث في الرياضيات والبرلماني السابق عن دائرة وجدة–أنجاد، أبرز محطات تجربته داخل مجلس النواب، متوقفا عند حدود الممارسة البرلمانية، وإكراهات الرقابة على العمل الحكومي، وأسباب تراجع ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
كما يتناول واقع التنمية بالجهة الشرقية، وآفاق المشاريع الاستراتيجية بإقليم الناظور، والتحديات التي تواجه إقليم الدريوش، فضلا عن رهانات التشغيل والعدالة المجالية ومشاركة الشباب في الحياة السياسية.
ويقدم أعنان، في هذا الحوار، رؤيته لمستقبل العمل السياسي، مؤكدا ضرورة الانتقال من منطق الوعود والخطابات إلى ثقافة الإنجاز والمحاسبة، وإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها التزاما أخلاقيا ومجتمعيا في خدمة المواطنين.
السؤال الأول: السي عمر، هل يمكن أن تقدم نفسك للقراء الذين لا يعرفونك؟
– بداية، أشكركم على هذه الاستضافة، وعلى إتاحة الفرصة للتواصل مع المواطنات والمواطنين وتقاسم بعض المحطات من مساري الأكاديمي والسياسي.
أنا عمر أعنان، ابن مدينة فجيج وأحد أبناء الجهة الشرقية، أستاذ جامعي وباحث في الرياضيات بجامعة محمد الأول بوجدة، حيث قضيت سنوات طويلة في التدريس والبحث العلمي والتأطير، وتوليت عددا من المسؤوليات العلمية والإدارية، من بينها منصب نائب رئيس الجامعة المكلف بالبحث العلمي والتعاون.
غير أن مساري لم يقتصر على المجال الجامعي، إذ انخرطت، منذ وقت مبكر، في العمل النقابي والجمعوي والسياسي، انطلاقا من قناعة راسخة مفادها أن النجاح المهني، مهما بلغت أهميته، لا ينبغي أن ينفصل عن المساهمة في تنمية المجتمع وخدمة قضاياه.
وعلى المستوى السياسي، أنا مناضل في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحزب الذي أعتز بالانتماء إليه وبقيمه القائمة على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية والمساواة والحداثة.
وفي سنة 2021، حظيت بثقة المواطنات والمواطنين بدائرة وجدة–أنجاد، ومثلتهم بمجلس النواب ضمن الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، خلال الولاية البرلمانية الممتدة إلى سنة 2026.
وإذا أردت أن ألخص مساري، فأنا، قبل كل شيء، أستاذ ومواطن ومناضل، أؤمن بأن قيمة الإنسان لا تقاس بالمناصب التي يتولاها، وإنما بالأثر الإيجابي الذي يتركه في مجتمعه، وبمدى إسهامه في تحسين حياة المواطنين والدفاع عن قضاياهم.
السؤال الثاني: خضت تجربة برلمانية داخل مجلس النواب. كيف وجدت البرلمان من الداخل؟ وهل تتطابق صورته الحقيقية مع ما يراه المواطنون من الخارج؟
– أعتقد أن هناك فرقا واضحا بين الصورة التي تتشكل لدى المواطن عن البرلمان من خلال متابعته للجلسات العمومية، وبين حقيقة العمل البرلماني بمختلف مستوياته. فالمواطن يتابع، في الغالب، الأسئلة الشفوية والنقاشات السياسية التي تبثها وسائل الإعلام، لكنه لا يطلع دائما على جوانب أخرى لا تقل أهمية، من قبيل العمل داخل اللجان، ودراسة مشاريع القوانين، وتقديم التعديلات، ومناقشة الميزانيات، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية.
ومع ذلك، ينبغي أن نكون صريحين في تقييم الممارسة البرلمانية. فالمؤسسة التشريعية تتوفر على صلاحيات دستورية مهمة، لكن الممارسة تكشف أن تفعيل هذه الصلاحيات لا يتم دائما بالفعالية والقوة المطلوبتين.
ففي بعض المحطات، نشهد نقاشات جادة وحججا قوية وتعديلات تستند إلى اعتبارات موضوعية، غير أن الحسم النهائي قد يخضع لمنطق الانضباط للأغلبية الحكومية، بدلا من الاحتكام إلى قوة الحجة وجودة المقترحات.
وهنا يطرح سؤال جوهري: هل نريد برلمانا يشكل فضاء حقيقيا للنقاش وصناعة القرار ومراقبة الحكومة، أم مؤسسة تكتفي، في بعض الحالات، بالمصادقة على اختيارات جرى إعدادها مسبقا؟
بالنسبة إلي، البرلمان ركيزة أساسية في البناء الديمقراطي، والمطلوب هو تقويته وتعزيز الثقة فيه، لا إضعافه. وهذا يقتضي توسيع هامش استقلاليته، واحترام دور المعارضة، وإعطاء النقاش التشريعي والتعديلات البرلمانية والرقابة على الحكومة المكانة التي تستحقها.
السؤال الثالث: ما أبرز ما تعلمته من تجربتك البرلمانية؟ وما الذي فاجأك ولم تكن تتوقعه قبل دخول البرلمان؟
– أهم درس خرجت به من هذه التجربة هو أن النية الحسنة، مهما كانت صادقة، لا تكفي وحدها لتحقيق النتائج في العمل السياسي. فقد يكون لدى البرلماني تصور واضح ورغبة حقيقية في خدمة المواطنين، ويقدم ملفات مدروسة ومقترحات عملية، لكن تحويلها إلى نتائج ملموسة يتطلب، إلى جانب ذلك، إرادة سياسية وتنسيقا مؤسساتيا وقدرة على التأثير في مراكز القرار.
وتعلمت أيضا أن النائب البرلماني ينبغي أن ينصت إلى المواطنين أكثر مما يتحدث باسمهم، وأن يتحلى بالصبر والمثابرة والتواضع، لأن الدفاع عن قضايا الناس مسؤولية تتطلب الاستمرارية والقدرة على التعامل مع مختلف الإكراهات.
أما الجانب الذي أثار استغرابي سلبا، فيتعلق بالبطء الذي يطبع معالجة عدد من الملفات، وضعف التجاوب مع بعض المبادرات الرقابية. وللتوضيح، فقد بلغ عدد الأسئلة الشفوية والكتابية التي تقدمت بها خلال الولاية البرلمانية 226 سؤالا، ظل عدد كبير منها دون جواب، وفق الحصيلة التي قدمتها عن هذه التجربة.
وهذا يبرز أن الإشكال لا يرتبط دائما بغياب المبادرات البرلمانية، بل يمتد إلى مدى تجاوب الحكومة معها.
والأكثر إيلاما هو أن يأتيك مواطن يحمل مشكلة حقيقية في الصحة أو التشغيل أو التعليم، فتترافع بشأنها أمام المؤسسات المعنية، ثم تكتشف أن المساطر والقرارات تتحرك بوتيرة بطيئة، في حين أن المواطن لا يملك ترف الانتظار.
لقد عززت هذه التجربة قناعتي بأن المغرب يحتاج إلى إصلاح عميق للإدارة ولأساليب تدبير الشأن العام، بما يسمح بالانتقال من ثقافة الإجراءات والمساطر إلى ثقافة النتائج والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
السؤال الرابع: ما أبرز القضايا التي دافعت عنها داخل البرلمان باعتبارك نائبا عن الجهة الشرقية؟ وهل كانت أسئلتك تصل فعلا إلى الحكومة وتحقق نتائج ملموسة؟
– انتخبت نائبا برلمانيا عن دائرة وجدة–أنجاد، لكنني كنت أعتبر أن الدفاع عن قضايا الجهة الشرقية بمختلف أقاليمها جزء من مسؤوليتي السياسية، بالنظر إلى الترابط بين تحدياتها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
وكان التشغيل والاستثمار في مقدمة أولوياتي، بالنظر إلى حجم البطالة التي تعاني منها الجهة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات. كما اهتممت بقضايا التعليم والمدرسة العمومية والجامعة والبحث العلمي، وقطاع الصحة، وندرة المياه، والفلاحة، والنقل، والبنيات التحتية، والخصاص المسجل في عدد من التجهيزات والخدمات العمومية.
وشملت اهتماماتي كذلك قضايا الفئات المهنية والاجتماعية، وأوضاع المناطق القروية والحدودية، انطلاقا من إيماني بأن العدالة المجالية ليست مجرد شعار سياسي، بل حق للمواطنين في الاستفادة المتوازنة من الاستثمارات والخدمات والفرص التنموية. وقد كنت مقتنعا بأن الجهة الشرقية تحتاج إلى نموذج تنموي متجدد، خاصة في ظل التأثيرات التي خلفها إغلاق الحدود وتراجع عدد من الأنشطة الاقتصادية التقليدية.
أما بخصوص تجاوب الحكومة، فإن الأسئلة البرلمانية توجه رسميا إلى القطاعات الحكومية المعنية، وتتلقى بعضُها أجوبة، كما تسهم بعض المبادرات في إثارة الانتباه إلى ملفات وقضايا محددة. لكن من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات: طرح السؤال، والحصول على الجواب، وتحقيق النتيجة على أرض الواقع؛ إذ لا يعني تلقي جواب حكومي بالضرورة أن المشكلة قد حُلت.
لذلك، كنت أعتبر أن مسؤولية البرلماني لا تنتهي عند طرح السؤال، بل تستوجب مواصلة التتبع، وممارسة الضغط المؤسساتي المشروع، والاستمرار في المساءلة إلى حين تحقيق النتائج الممكنة. وفي المقابل، ينبغي مصارحة المواطنين بحقيقة الاختصاصات، فالبرلماني ليس وزيرا ولا يملك سلطة تنفيذ المشاريع أو توزيع الميزانيات، لكنه يتحمل مسؤولية أساسية في الترافع والمراقبة والدفاع عن الحقوق والمصالح المشروعة للساكنة.
السؤال الخامس: بعد مغادرتك البرلمان، كيف تقيم الوضع التنموي بالجهة الشرقية، وخصوصا بإقليمي الناظور والدريوش؟ وهل لمست تغييرا حقيقيا؟
– لا يمكن إنكار أن الجهة الشرقية شهدت إنجاز عدد من المشاريع المهمة، وخصوصا بإقليم الناظور. ويبرز في هذا السياق مشروع المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط، الذي بلغ مراحل متقدمة من الجاهزية والاستعداد للتشغيل، بما يحمله من إمكانات استراتيجية لتعزيز الاستثمار والصناعة واللوجستيك والتجارة الدولية.
لكن التقييم الحقيقي لأي مشروع تنموي لا ينبغي أن يقتصر على حجم الاستثمارات المرصودة أو عدد المنشآت التي جرى إنجازها، بل يجب أن ينطلق أساسا من أثرها المباشر على حياة المواطنين. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: كم من فرصة شغل سيوفرها المشروع لأبناء المنطقة؟ وهل ستتمكن المقاولات المحلية من الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي سيتيحها؟ وهل سيتوفر شباب الناظور والدريوش على التكوين اللازم للاندماج في الأنشطة الجديدة؟
كما ينبغي التساؤل عن مدى امتداد آثار هذه الدينامية إلى المناطق القروية والدواوير التي ما زالت تواجه صعوبات مرتبطة بالنقل والماء والتطبيب والتشغيل.
وبالنسبة إلى إقليم الدريوش، فإن المرحلة المقبلة تتطلب اهتماما أكبر بالتنمية القروية، وتعزيز البنيات التحتية والتجهيزات الصحية والتعليمية، وتحسين الربط الطرقي، ودعم الفلاحة والاقتصاد المحلي، بما يستجيب للاحتياجات الفعلية للساكنة.
وأرى أن نجاح مشروع الناظور غرب المتوسط ينبغي أن يشكل رافعة لتنمية الجهة الشرقية برمتها، من الناظور والدريوش إلى وجدة وبركان وتاوريرت وجرادة وفجيج. فلا نريد تنمية تتقدم فيها بعض المناطق بوتيرة متسارعة، بينما تظل مناطق أخرى على هامش الاستثمارات والفرص.
إن المعيار الحقيقي للنجاح هو أن يشعر المواطن بالتغيير في دخله وفرص الشغل المتاحة أمامه، وفي جودة الخدمات العمومية، وفي الآفاق التي يتيحها المستقبل لأبنائه.
السؤال السادس: يعتقد كثيرون أن بعض البرلمانيين ينسون الساكنة بمجرد انتهاء ولايتهم. كيف حافظت على علاقتك بالمواطنين بعد مغادرة البرلمان؟
– أؤمن بأن العلاقة بين المنتخب والمواطن ينبغي أن تقوم على الثقة والاحترام والاستمرارية، لا أن تظل رهينة للمواعيد الانتخابية. وبالنسبة إلي، لم تبدأ علاقتي بالمواطنين يوم دخلت البرلمان حتى تنتهي بخروجي منه، بل سبقت هذه التجربة بسنوات من الانخراط في العمل الجامعي والجمعوي والسياسي، والاهتمام بقضايا المواطنين، خصوصا بمدينة وجدة وبمختلف مناطق الجهة الشرقية.
وهذا الارتباط لا أعتبره مرتبطا بمنصب أو مسؤولية انتخابية، لأن خدمة المجتمع تظل ممكنة من مواقع متعددة. صحيح أن العمل البرلماني يتيح أدوات دستورية ومؤسساتية خاصة، لكن مغادرة المؤسسة التشريعية لا تعني فقدان القدرة على الإنصات للمواطنين، أو المساهمة في المبادرات الجمعوية والسياسية، أو الترافع بشأن القضايا التي تستحق الاهتمام.
كما أنني أميز بين القرب الشكلي والقرب الحقيقي من المواطنين. فالقرب لا يعني الحضور في المناسبات الاجتماعية فحسب، بل يتجسد أساسا في الاستماع إلى انشغالات الناس، ومصارحتهم بالإمكانات المتاحة والحدود القائمة، وتوضيح ما يمكن تحقيقه وما يتعذر تحقيقه، بعيدا عن تقديم وعود يعرف صاحبها مسبقا أنه لن يستطيع الوفاء بها.
فالثقة لا تُبنى بالصور والمنشورات، وإنما بالمصداقية والاستمرارية والوضوح، وبالاستعداد لتحمل المسؤولية أمام المواطنين.
السؤال السابع: بعد انتهاء تجربتك البرلمانية، ما الأمر الذي تمنيت لو أنك قمت به خلال ولايتك ولم تتمكن من إنجازه؟
– كل تجربة إنسانية أو سياسية، مهما بلغ حجم الجهد المبذول فيها، تترك مجالا للتقييم واستخلاص الدروس، وتجعل الإنسان يتساءل عما كان بإمكانه القيام به بصورة أفضل. وأنا أعتز بالالتزام والمجهود اللذين بذلتهما خلال تجربتي البرلمانية، لكنني لا أدعي أن كل شيء سار على النحو المثالي.
ولو أتيحت لي فرصة استعادة تلك التجربة، لحرصت على إعطاء أهمية أكبر لإرساء آلية دائمة ومنظمة لتتبع الملفات المحلية والجهوية، تجمع المواطنين والفاعلين الجمعويين والخبراء والمنتخبين، وتتيح تقييما منتظما للتقدم المحرز في كل ملف، وتحديد الصعوبات التي تعترضه.
كما كنت سأعمل على تعزيز التواصل الدوري مع المواطنين، ليس فقط لإطلاعهم على الأنشطة البرلمانية، بل لتقديم حصيلة واضحة تجيب عن أسئلة أساسية: ما الملفات التي جرى الترافع بشأنها؟ وما الأجوبة التي قدمتها الحكومة؟ وما الذي تحقق فعليا؟ وما الذي ما زال عالقا؟ وما أسباب التعثر؟
فالمواطن من حقه أن يطلع على الحقيقة كاملة، بما في ذلك حدود الإمكانات والصعوبات والإخفاقات، لأن التواصل المسؤول لا يقوم على إبراز النجاحات وحدها، بل يتطلب أيضا الاعتراف بما لم يتحقق وتفسير أسبابه.
وكنت أتمنى كذلك أن نتمكن من الدفع بقوة أكبر نحو بلورة رؤية تنموية متكاملة لمدينة وجدة والجهة الشرقية، تقوم على مشاريع محددة، وآجال واضحة، والتزامات حكومية قابلة للتتبع والتقييم. والأهم بالنسبة إلي هو ألا يتحول التقييم إلى مجرد ندم، بل إلى فرصة لتصحيح المسار وتطوير الممارسة السياسية مستقبلا.
السؤال الثامن: في نظرك، ما الأسباب التي أدت إلى تراجع ثقة المواطنين في البرلمانيين والمؤسسة التشريعية بالمغرب؟
– أعتبر أن هذا السؤال يلامس إحدى الإشكاليات العميقة في الحياة السياسية المغربية، لأن الثقة في المؤسسات لا تنفصل عن مدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين وتحويل الالتزامات المعلنة إلى نتائج ملموسة.
أول أسباب هذا التراجع يتمثل في الفجوة القائمة بين الخطاب السياسي والواقع اليومي. فالمواطن يسمع وعودا كثيرة بشأن التشغيل والصحة والتعليم وتحسين القدرة الشرائية، لكنه عندما يقارن تلك الوعود بواقعه يكتشف أن عددا من المشكلات ما زال قائما، وأن التحسن المنتظر لا يتحقق دائما بالسرعة المطلوبة.
ويتمثل السبب الثاني في بعض الممارسات السياسية التي تسيء إلى صورة العمل الحزبي والبرلماني، خصوصا عندما يتقدم البحث عن المناصب والمصالح والامتيازات على النقاش الجدي حول البرامج والمشاريع المجتمعية. كما أن عدم وضوح الحدود بين اختصاصات الحكومة والبرلمان لدى بعض المواطنين قد يؤدي إلى تحميل المؤسسة التشريعية مسؤولية قرارات لا تدخل جميعها ضمن اختصاصاتها، لكن ذلك لا يعفي البرلمانيين من مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية.
وفي هذا السياق، تحتاج الأحزاب السياسية بدورها إلى نقد ذاتي حقيقي، يهم طرق اشتغالها، وتجديد نخبها، وتأطير الشباب، ومعايير اختيار المرشحين، ومدى ارتباط برامجها وقراراتها بانشغالات المجتمع.
فالديمقراطية لا تتقوى بالانتخابات وحدها، وإنما تحتاج أيضا إلى المحاسبة والشفافية وحرية التعبير واستقلالية المؤسسات واحترام التعددية. واستعادة الثقة تبدأ بمصارحة المواطنين، وتقديم نتائج ملموسة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومع ذلك، لا ينبغي إصدار أحكام عامة على جميع البرلمانيين، لأن هناك نساء ورجالا يبذلون جهودا جدية في العمل التشريعي والرقابي والترافعي، حتى إن لم يحظوا بالقدر نفسه من الظهور الإعلامي. المطلوب هو تقييم الأداء على أساس العمل والحصيلة، لا الاكتفاء بالانطباعات والصور النمطية.
السؤال التاسع: ما الفرق بين البرلماني الذي يخدم الساكنة والبرلماني الذي يوظف منصبه لخدمة مصالحه الخاصة؟ وكيف يمكن للمواطن التمييز بينهما؟
عمر أعنان: الفرق الأساسي يظهر في السلوك والممارسة والحصيلة، وليس في الشعارات التي يرفعها كل طرف. فالبرلماني الذي يجعل خدمة المواطنين أولوية يحرص على الإنصات إلى انشغالاتهم، والدفاع عن حقوقهم، واستعمال الصلاحيات المتاحة له في مراقبة الحكومة واقتراح الحلول والمساهمة في تطوير التشريعات.
أما من ينظر إلى السياسة باعتبارها وسيلة للترقي الشخصي أو لتحقيق مصالح خاصة، فإن اهتمامه قد ينصرف إلى المحافظة على المنصب ومزاياه أكثر من الانشغال بالمسؤولية المترتبة عنه. ومع ذلك، لا يمكن تقييم الأشخاص بناء على النوايا المفترضة أو الاتهامات المجانية، بل ينبغي الاحتكام إلى معايير موضوعية وواضحة.
ومن بين هذه المعايير الحضور والمشاركة في الجلسات، والأسئلة البرلمانية، والمداخلات، والمساهمة في العمل التشريعي، ومتابعة الملفات المحلية والجهوية، والمواقف المتخذة بشأن القضايا الأساسية، فضلا عن وضوح التواصل مع المواطنين والاستعداد لتقديم الحساب عن الحصيلة.
كما أن عدد الأسئلة البرلمانية وحده لا يكفي للحكم على الأداء، بل ينبغي النظر إلى طبيعتها وأهميتها وجديتها، ومدى ارتباطها بحاجات المواطنين، والنتائج التي أسهمت في تحقيقها.
وبالنسبة إلي، فإن من أبرز علامات المسؤولية السياسية أن يمتلك البرلماني الشجاعة ليقول للمواطن: لقد دافعت عن هذا الملف، لكنني لم أتمكن من تحقيق النتيجة التي كنت أطمح إليها، بدلا من تقديم وعود زائفة أو بيع الأوهام.
فالسياسة، في جوهرها، مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مسؤولية انتخابية، ولا يمكن استعادة الثقة إلا بالمصداقية والوضوح والاستعداد للمحاسبة.
السؤال العاشر: ما رسالتك إلى شباب الجهة الشرقية الذين فقدوا الثقة في السياسة وأصبحوا يشعرون بالإحباط من المشاركة في الحياة العامة؟
– أود أولا أن أؤكد أنني أتفهم إحباط الشباب، خصوصا عندما يبذل الشاب مجهودا كبيرا في الدراسة والتكوين، ويحصل على الشهادات، ثم يجد نفسه أمام فرص محدودة في سوق الشغل. ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الوضع إلى تراجع الثقة في الخطابات السياسية والوعود الانتخابية.
كما أن شعور الشباب بأن الفرص الاقتصادية تتركز في مناطق معينة، في مقابل عدم الاستفادة الكافية من مؤهلات الجهة الشرقية، يعزز الإحساس بالتهميش ويطرح أسئلة مشروعة حول العدالة المجالية وتكافؤ الفرص.
لكن رسالتي إليهم هي ألا يتحول الإحباط إلى استسلام، لأن الجهة الشرقية تتوفر على مؤهلات مهمة، من بينها موقعها الجغرافي، وامتدادها البحري، وإمكاناتها الفلاحية والسياحية، وجامعاتها وكفاءاتها البشرية، فضلا عن دور الجالية المغربية المقيمة بالخارج، والفرص التي يمكن أن تتيحها المشاريع المينائية والصناعية الجديدة.
إن التحدي الأساسي لا يتمثل في غياب المؤهلات، بقدر ما يرتبط بكيفية تحويلها إلى استثمارات منتجة وفرص شغل مستدامة وتنمية أكثر عدلا. وهذا التحول يقتضي أن يكون الشباب شريكا في صناعة القرارات المتعلقة بمستقبله، لا مجرد متلق للقرارات أو متفرج على النقاشات التي تهمه.
وأدعو الشباب إلى المطالبة بحقهم في المشاركة، والانخراط في الجمعيات والنقابات والأحزاب والمؤسسات، والمساهمة في النقاش العمومي من خلال النقد المسؤول واقتراح البدائل والدفاع عن القضايا التي يؤمنون بها.
فلا ينبغي أن نترك السياسة حكرا على فئة محدودة، ولا أن نتخلى عن إمكانية التغيير الديمقراطي. وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو ألا يكتفي المواطن بفقدان الثقة في بعض الممارسات السياسية، بل أن يفقد إيمانه بإمكانية تغيير الواقع نحو الأفضل.
السؤال الحادي عشر: ما مشاريعك المستقبلية؟ وهل ما زلت متمسكا بالعمل السياسي أم تفكر في تغيير المسار؟
– بالنسبة إلي، السياسة ليست مهنة مؤقتة ولا مجرد منصب انتخابي، بل هي التزام فكري وأخلاقي ومجتمعي. وقد انخرطت في الشأن العام قبل دخولي البرلمان، وسأواصل المساهمة فيه من خلال العمل السياسي والجمعوي والفكري، والدفاع عن القضايا التي أؤمن بها.
ومن المؤكد أن التجربة البرلمانية مكنتني من اكتساب معرفة أعمق بعمل المؤسسات وإكراهات التنمية، وعززت قناعتي بالحاجة إلى إصلاحات حقيقية تتيح تحسين أداء المرافق العمومية والاستجابة لانتظارات المواطنين.
ومن بين الأولويات التي أعتبرها أساسية في المرحلة المقبلة، المساهمة في بلورة رؤية تنموية للجهة الشرقية، ترتكز على التشغيل والاستثمار المنتج والعدالة المجالية، وتثمين الكفاءات المحلية، وتعزيز الربط بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي.
كما أولي أهمية خاصة لمواكبة الشباب، ولا سيما في مجالات البحث العلمي والابتكار والذكاء الاصطناعي ومهن المستقبل، بما يساعد على تحويل الكفاءات العلمية إلى فرص للتنمية وإحداث القيمة المضافة.
وسأظل وفيا لقناعاتي الديمقراطية والتقدمية والاشتراكية، ولانتمائي إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي أعتبره جزءا من مساري النضالي والسياسي.
أما المناصب، فهي وسائل وليست أهدافا في حد ذاتها. لذلك، لا أختزل المستقبل في سؤال الاستمرار في موقع معين، بل أعتبر أن السؤال الأهم هو ما يمكنني إضافته إلى المجتمع، وما أستطيع تقديمه للمواطنين من خلال الموقع الذي أوجد فيه. فمادام الإنسان قادرا على العطاء والمساهمة، ينبغي أن يظل منخرطا في خدمة الصالح العام.
السؤال الثاني عشر: ما النصيحة التي تقدمها لشاب مغربي يرغب في دخول عالم السياسة في المرحلة الراهنة؟
– أول نصيحة أقدمها للشباب هي أن يدخلوا السياسة عن قناعة وإيمان بالمبادئ، لا بحثا عن منصب أو امتياز. فالعمل السياسي الحقيقي ينبغي أن يستند إلى تصور واضح للمجتمع الذي نريد بناءه، وإلى التزام جاد بالدفاع عن المصلحة العامة.
ثانيا، يحتاج الشاب إلى التكوين والمعرفة، لأن المشاركة السياسية الفعالة لا يمكن أن تقوم على الشعارات وحدها. ومن الضروري أن يفهم الدستور والمؤسسات، وأن يطلع على الاقتصاد والتاريخ والقضايا الاجتماعية، حتى يتمكن من تقديم مواقف ومقترحات مبنية على المعرفة والتحليل.
ثالثا، ينبغي تعلم الإنصات قبل الكلام، وتقبل الاختلاف والنقد، واحترام الرأي الآخر. كما يتعين على الشاب الحفاظ على استقلاليته الفكرية، وألا يتحول إلى مجرد أداة لخدمة مصالح الآخرين أو تبرير اختيارات لا يقتنع بها.
ورابعا، يجب إدراك أن السياسة عمل طويل النفس، يتطلب الصبر والاستمرارية والاستعداد لمواجهة الصعوبات، وأن النجاح فيها لا يقاس فقط بالمناصب التي يصل إليها المرء، بل أيضا بمدى التزامه بمبادئه وأثره في المجتمع.
وبحكم انتمائي إلى المجال الجامعي، أؤكد أن السياسة تحتاج إلى الكفاءة بقدر حاجتها إلى النزاهة. فالمغرب في حاجة إلى جيل جديد من الفاعلين السياسيين الذين يجمعون بين التكوين الجيد والثقافة الديمقراطية والوعي الاجتماعي والقدرة على طرح الأفكار والمبادرات الجديدة.
وأختتم هذه النصيحة بعبارة أؤمن بها: «لا تدخل السياسة لكي تصبح شيئا، بل ادخلها لكي تفعل شيئا من أجل بلدك ومواطنيك».
سؤال إضافي: في ختام هذا الحوار، كيف تقرأ التوجيهات الملكية المتعلقة بالعمل العمومي والإصلاح، وما الذي ينبغي أن تعنيه بالنسبة إلى الحكومة والبرلمان والأحزاب والجهة الشرقية؟
– من القضايا التي ينبغي استحضارها في تقييم المرحلة المقبلة التوجيهات الملكية السامية الواردة في الخطاب الأخير لجلالة الملك أمام مجلس النواب، بالنظر إلى ما تتضمنه من توجهات تهم العمل العمومي وأولويات الإصلاح.
وأرى أن جوهر هذه التوجيهات يتمثل في جعل المواطن في صلب السياسات العمومية، وتسريع وتيرة الإصلاحات، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وتقوية الثقة في المؤسسات من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة وتحقيق نتائج ملموسة.
وهذه التوجهات تفرض على الحكومة والبرلمان والأحزاب والمنتخبين الانتقال من منطق الخطابات العامة إلى منطق الالتزام والإنجاز والتقييم. فالمواطن لم يعد ينتظر الوعود وحدها، بل يتطلع إلى خدمات عمومية ذات جودة، وفرص للشغل، وحماية اجتماعية فعالة، وتنمية متوازنة بين الجهات، وإدارة قادرة على الإنصات إلى انشغالاته والتفاعل معها بفعالية.
كما أن مواصلة الإصلاح وتقوية المؤسسات تقتضيان إرساء حكامة جيدة، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتعبئة الكفاءات الوطنية، وإشراك الشباب والنساء والفاعلين المحليين في بلورة السياسات والبرامج التي تهم مستقبل البلاد. ولا يمكن تحقيق تنمية مستدامة دون ربط الخطط والبرامج بأهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، تتيح تقييم النتائج ومساءلة المسؤولين عن مستوى الإنجاز.
وبالنسبة إلى الجهة الشرقية، فإن هذه التوجهات تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى التحديات التنموية التي تواجهها، رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات بشرية واقتصادية وجغرافية. والمطلوب هو تحويل المشاريع الكبرى إلى رافعات فعلية للتنمية المحلية، عبر إحداث فرص الشغل، ودعم المقاولات، وتأهيل الكفاءات، وضمان استفادة أبناء المنطقة من الفرص التي تتيحها الاستثمارات الجديدة.
وفي الختام، أود التأكيد أن المغرب يحتاج إلى إعادة الاعتبار للعمل السياسي النبيل، القائم على الصدق والكفاءة والالتزام والمحاسبة. فالديمقراطية القوية تحتاج إلى مؤسسات قوية، وأحزاب مسؤولة، ومواطنين منخرطين في الشأن العام، وشباب يؤمنون بإمكانية بناء المستقبل.
السياسة، في المعنى الذي أؤمن به، هي أن نخدم الإنسان، ونصون كرامته، ونوفر له شروط العيش الكريم، ونسهم في بناء مغرب أكثر ديمقراطية وعدلا وتقدما، ونترك للأجيال المقبلة وطنا أفضل مما تسلمناه.




