فاطمة الزهراء المنصوري.. من عمدة مراكش إلى أول امرأة على رأس الحكومة المغربية

إيمان بروميا
لحظة سياسية وتاريخية تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في المشهد الحكومي المغربي
دخل المغرب، يوم 29 شتنبر 2026، مرحلة سياسية جديدة مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة.
وجاء التعيين عقب الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر، والتي تصدر فيها حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بـ97 مقعداً من أصل 395، دون أن يحصل على الأغلبية المطلقة التي تبلغ 198 مقعداً .
وبذلك لا يمثل صعود المنصوري مجرد انتقال في قيادة الحكومة، وإنما يشكل أيضاً محطة بارزة في مسار مشاركة النساء المغربيات في مواقع القرار السياسي والتنفيذي.
من مراكش إلى رئاسة الحكومة
فاطمة الزهراء المنصوري ليست وافدة جديدة إلى المشهد السياسي.
فقد تولت في السابق رئاسة جماعة مراكش، كما شغلت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وكانت من الوجوه القيادية داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
هذا المسار يجعل وصولها إلى رئاسة الحكومة امتداداً لمسار سياسي وتنفيذي طويل، وليس مجرد اختيار رمزي مرتبط بكونها امرأة.
لكن انتقالها من العمل الوزاري والمحلي إلى قيادة الحكومة يضع أمامها مسؤوليات أوسع بكثير، خصوصاً أن المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بترجمة البرامج الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
لماذا يحمل تعيين امرأة على رأس الحكومة دلالة خاصة؟
لأن الصورة التقليدية للقيادة السياسية في المنطقة العربية ظلت، لعقود، مرتبطة بشكل أساسي بالرجال.
أما وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة في المغرب فيقدم صورة مختلفة عن حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة، وينقل النقاش من سؤال:
«هل تستطيع المرأة الوصول إلى أعلى مواقع القرار؟»
إلى سؤال أكثر أهمية:
«ماذا ستفعل المرأة عندما تصل إلى موقع القرار؟»
وهنا تكمن قيمة المرحلة المقبلة.
فالرمزية التاريخية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. قيمة التجربة ستُقاس أيضاً بالسياسات والقرارات والنتائج التي ستقدمها الحكومة للمواطنين.
حكومة أمام اختبار اجتماعي واقتصادي
تأتي الحكومة الجديدة في سياق يحمل مجموعة من الملفات الثقيلة.
فنتائج الانتخابات أظهرت، في الوقت نفسه، عودة قوية لحزب العدالة والتنمية الذي حصل على 54 مقعداً، مقابل 13 فقط في انتخابات 2021، بينما تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار إلى 66 مقعداً. كما بلغت نسبة المشاركة حوالي 38 في المائة. (Al Jazeera)
هذه الأرقام تضع أمام الحكومة الجديدة تحدياً يتجاوز تشكيل الأغلبية البرلمانية.
هناك أسئلة مرتبطة بالتشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والخدمات العمومية، وثقة المواطنين في المؤسسات.
كما أن الحكومة المقبلة ستكون مسؤولة عن مرحلة مهمة من التحضيرات المرتبطة باستضافة المغرب لكأس العالم 2030، وما يرافق ذلك من استثمارات كبرى ومشاريع للبنية التحتية والتنمية. (Al Jazeera)
التحدي الأول: تشكيل أغلبية حكومية
حصول حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً لا يمنحه الأغلبية البرلمانية.
وبالتالي فإن أول اختبار سياسي أمام رئيسة الحكومة الجديدة سيكون بناء أغلبية قادرة على دعم الحكومة وبرنامجها داخل البرلمان.
وهنا ستبدأ مرحلة المشاورات مع الأحزاب السياسية، وهي مرحلة ستكون لها انعكاسات مباشرة على طبيعة الحكومة المقبلة وتركيبتها وأولوياتها.
المرأة المغربية أمام صورة جديدة
بعيداً عن الحسابات الحزبية، يحمل تعيين المنصوري رسالة رمزية مهمة للنساء المغربيات.
فامرأة مغربية انتقلت من العمل المحلي في مراكش، إلى الوزارة، ثم إلى قيادة الحكومة.
لكن الأهم أن هذه اللحظة يمكن أن تعيد تعريف النقاش حول تمكين المرأة.
فالتمكين الحقيقي لا يقتصر على الوصول إلى المناصب، وإنما يشمل أيضاً امتلاك القدرة على صناعة القرار، وتحمل المسؤولية، والمشاركة في صياغة السياسات العامة.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة المنصوري ستكون محل متابعة ليس فقط داخل المغرب، وإنما أيضاً في المنطقة العربية والإفريقية.
من الرمز إلى الاختبار
قد يكون تعيين فاطمة الزهراء المنصوري حدثاً تاريخياً، لكن التاريخ لا يُكتب بالرمزية وحدها.
المرحلة المقبلة ستطرح أسئلة أكثر عمقاً:
هل ستنجح الحكومة في استعادة ثقة فئات واسعة من المواطنين؟
كيف ستتعامل مع ملف التشغيل والشباب؟
ما الذي ستقدمه في الصحة والتعليم؟
كيف ستوازن بين المشاريع الكبرى وتحسين الحياة اليومية للمواطن؟
وكيف ستترجم مشاركة المرأة في أعلى هرم السلطة التنفيذية إلى حضور أوسع وأكثر فعالية للنساء في مواقع القرار؟
هذه الأسئلة لن تجيب عنها لحظة التعيين، وإنما ستجيب عنها الممارسة السياسية والحكومية خلال السنوات المقبلة.
تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة ليس مجرد تغيير في اسم رئيس الحكومة.
إنه حدث يحمل دلالة سياسية ومؤسساتية ورمزية في آن واحد.
امرأة مغربية أصبحت اليوم في موقع قيادة الجهاز التنفيذي، بعد مسار طويل في العمل المحلي والحكومي والحزبي.
لكن القيمة الحقيقية لهذه اللحظة ستتحدد بما سيأتي بعدها.
فالتاريخ سجل اليوم أن امرأة وصلت إلى رئاسة الحكومة.
أما ما سيكتبه التاريخ لاحقاً، فسيتعلق بما فعلته وهي في ذلك الموقع.




