الأربعاء 23 سبتمبر 2020

تحقيق: ثقافة الاقتصاد الاجتماعي التضامني و إشكالية استمرارية التعاونيات بتازة .

يوسف العزوزي:

..و إذا كانت المقولة المأثورة تذهب إلى أن “لا ديموقراطية بدون ديموقراطيين” فسياق موضوعنا يذهب إلى أن “لا تعاونية بدون ثقافة و وعي تعاوني” و إن تعلق الأمر ببيئة مطبوعة بالأعراف التضامنية، إذا يجب الانتباه إلى الفرق بين ثقافة التضامن و التعاون و ثقافة مأسسة التضامن و التعاون و الفرق بين مفهوم الالتزام التطوعي بالتضامن و إلزام القانون الأساسي للمتعاونين بالانضباط للهدف الجمعي والآليات المتفق عليها ديموقراطيا لتحقيق مشروع التعاونية….

 

مقدمة:

يعاني إقليم تازة من إجحاف واضح في حصته من معدل توزيع الاستثمار بالمقارنة مع مناطق تحظى بامتيازات طبيعية و اقتصادية و جغرافية استراتيجية، و من أجل إصلاح ميزان تكافؤ الفرص و تحقيق العدالة الاجتماعية اعتمد المغرب على دعم الاقتصاد الاجتماعي التضامني، فتم تأسيس مئات التعاونيات على مستوى إقليم تازة، إلا أن معظمها لا تزال تلتمس طريقها في مواجهة عراقيل يمكن إجمالها  تحت عنوان “صعوبة الاستمرارية”.

و رغم أن جل المتحدثين باسم التعاونيات المنتشرة على تراب إقليم تازة ينوهون بمجهود تعاون المديرية الإقليمية  للفلاحة و مصلحة الاستشارة الفلاحية إلا أن التحقيق الميداني الذي استهدف عينة من التعاونيات كشف عن مشاكل تتعلق بأداء الإدارة العمومية و صعوبة الولوج إلى مصادر التمويل و تمثل المتعاونين للدور الحقيقي للتعاونية و التأثير السلبي للسياسي على التعاوني بالإضافة إلى آليات تدبير التعاونيات للمعارض و حكامة اختيار العارضين.

إشكالية التحقيق:

يفترض ان يوفر الاقتصاد الاجتماعي التضامني آليات تمكنه من تأدية وظيفته الاجتماعية من خلال فسح المجال أمام المبادرات المجتمعية المهيكلة  في إطار تنظيمات مهنية تصدرها التعاونيات و الجمعيات ذات النفع.

و تهدف التعاونيات إلى تلبية حاجات المواطنين الاقتصادية التي عجز اقتصاد السوق عن توفيرها كتخفيض معدلات البطالة و الحد من الفقر، لذلك فتح الأسلوب التعاوني آفاقا جديدة المساهمة في إدماج صغار المنتجين في السوق. و رغم  عدم توفرنا على أرقام توضح قيمة رأس مال التعاونيات بإقليم تازة أو حجم الاستثمارات التي تساهم بها يبدوا أن التواضع هو السمة التي تطبع مساهمة التعاونيات في التشغيل او توفير دخل قار٠

و إذا كان المتعاونون لا يجدون صعوبة في تأسيس التعاونيات و تسميها أو ملاءمتها إلا أنهم يواجهون مشاكل تحول دون ضمان شروط استمراريتها و تطويرها تحقيقا  للأهداف المتوخاة على مستوى الدفع بعجلة التنمية المحلية و العدالة الاجتماعية.

و لعل تخلف عدد من التعاونيات عن الاستجابة للقانون 112/12 فيما يتعلق بملاءمة أنظمتها الأساسية مع مستجداته لمؤشر على تراجع الحافزية عن الإرادة الجماعية لأسباب موضوعية و ذاتية يمكن إدراجها ضمن العوامل المساهمة في خلل استمرار التعاونيات و نجاحها.

فرغم حيوية و غنى  برامج مخطط المغرب الأخضر التي تسهر المديرية الإقليمية لوزارة الفلاحة بتازة على تنزيلها يبقى ضعف موارد التمويل هاجسا يقض مضاجع المتعاونين في المجال الترابي بإقليم تازة الذي يعاني من عدم تكافؤ الفرص في ما يتعلق بتوزيع الاستثمار.

كما يعاني الإقليم من ضعف الرأسمال اللامادي الناتج عن غياب تخصص علم الاجتماع القروي و بعد مسلك الجغرافية في الكلية المتعددة التخصصات عن البحث الميداني في موضوع التعاونيات بشراكة مع القطاعات المعنية لتبقى مجهودات التشخيص متناثر و نادرة و تبقى معها آليات التدخل الفعال في خبر كان.

و في خبر كان يبقى أيضا مفهوم الحكامة القادر على المواكبة و إلزام القطاعات الحكومية بالتزاماتها دعما للاقتصاد الاجتماعي التضامني بإقليم تازة الذي يحتاج إلى منافذ لتسويق المنتوج.

التحقيق الميداني

للوقوف على المفاصل المصابة بالعلة في جسم الاقتصاد الاجتماعي التضامني بإقليم تازة أجريت مقابلات مع رؤساء  12 تعاونية بتازة،  فكشفت مرارة حديثهم عن تجاربهم بعض الأعراض المرضية المحلية التي تعود أسبابها إلى طيف تجمع ألوانه بين العامل البشري و الإداري و المالي و المعرفي ( الخبرة و المعلومة).

 

غياب التمويل يسبب تعطيل استمرارية التعاونيات.

تعاون أعضاء تعاونية “بلاد الخير” لتربية المواشي و تثمين المنتجات الفلاحية و ليشتروا قطعة أرضية و تقدموا بطلب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لدعم تجهيزها فقوبل طلبهم بالرفض.

كما  يمثل غياب التمويل عائقا حقيقيا بالنسبة لتعاونية جني الزيتون و تقديم الخدمات الفلاحية التي تشغل خمسة من للمتعاونين و خمسة عمال، لكن الوضعية الحالية لهذه التعاونية لا تؤهلها إلى أن تكون مصدرا قارا لإعادة الأسرة.

و علق متعاونون على توجه المبادرة الوطنية في دعم المشاريع التي تتطلب تكلفة متواضعة على حساب المشاريع المهمة و  “المضمونة”  كتربية المواشي و تسمين العجول و إنتاج الحليب، و طالبوا بتراجع مصلحة المبادرة الوطنية  عن إصدار الأحكام الجاهزة على المشاريع قياسا على فشل تعاونيات سابقة.

الإدارة العمومية مصدر خلل إقلاع التعاونيات.

تأسست تعاونية كلدمان لإنتاج الحليب و تسويقه سنة 2008 و تضم 86منخرطا منهم من يملك البقر الحلوب، وقعت هذه التعاونية اتفاقية شراكة مع وزارة الإسكان و الجماعة الترابية و المبادرة الوطنية للتنمية البشرية فالتزمت الأولى بتقديم دعم لتوفير مقر للتعاونية و أوفت بالتزامها، فيما لم تفي  الجماعة الترابية  بالتزامها بتقديم 20مليون سنتيم (تكاليف الماء و الكهرباء و فتح مسلك للوصول إلى المقر)  كما لم تلتزم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالتزامها بتوفير التجهيز.

و صرح رئيس التعاونية بأن  التزام الأطراف و حل مشكل التسويق كان سيحفز المنخرطين على شراء المزيد من البقر الحلوب لأن المنطقة تضم أراضي شاسعة كلها سقوية و صالحة لإنجاح مشروع تعاونية إنتاج الحليب و تسويقه.

 

من جانب آخر أفاد  “لخضر” أنه قدم إشعارا للسلطة المحلية بعقد جمع عام للتعاونية انسجاما و مقتضيات قانون الملاءمة إلا أن “المقدم” قال له”مادير والو تا نعلموك” و مر الأجل  المصرح به لعقد الجمع العام و بقيت التعاونية بين مطرقة ” المقدم” و سندان آخر أجل الذي قررته الجهات المعنية.

هذا و راسل عزيز أخشاش رئيس تعاونية شباب التوفيق لجني الزيتون وبيع الخدمات الفلاحية ( الغرس و رش الأدوية و البستنة….) إدارة المياه و الغابات كتابة لطلب الدعم بخلايا النحل المملوءة لكنه لم يتلق أي رد علما أن تاريخ الرسالة يرجع إلى ما قبل سنة خلت، كما عرفت رسالته إلى مؤسسة محمد 5 لدعم اقتناء  سيارة نفس المصير.

و قامت مجموعة من التعاونيات بتقديم طلبات الدعم إلى مؤسسة محمد الخامس للتضامن بعد استدعائهم من القيادة لهذا الغرض إلا أنهم لم يحصلوا على وصل تسلم  هذه الطلبات ليتمكنوا من متابعة مسارها رغم تقديمهم لكل الوثائق المطلوبة و لما توجهوا إلى العمالة لم يجدوا أي أثر لهذه الطلبات و لم يحصوا على أي جواب بخصوص مآلها..

المصالح السياسية مصدر خلل تطوير التعاونية:

صرح رئيس اتحاد تعاونيات لجمع و تسويق و تقطير الأعشاب الطبية و العطرية بجماعة ترابية بإقليم تازة بأن تفويت استغلال نبتة أزير لتعاونية يرأسها أبو مستشار بهذه الجماعة و يديرها هذا المستشار لمدة ثلاثة سنوات تم في إطار صفقة سياسية تقضي بتكوين الأغلبية  المسيرة للجماعة المعنية بالأمر.

و أضاف أن التعاونيات المنخرطة في الاتحاد تقدمت بعد انتهاء مدة العقد بطلب  استغلال هذه النبتة إلى الجماعة و المديرية الإقليمية للمياه و الغابات فقوبل الطلب بعرقلة التعاونية التي يديرها المستشار الجماعي و التي انتهت مدة تعاقدها رافضة الانخراط في هذا الاتحاد أو أي تنظيم مهني جامع و بقيت الأمور عالقة.

وتجدر الإشارة إلى أن اتحاد التعاونيات هذا يجمع 600منخرط بينهم  حاملين للشهادات العليا و فلاحين يعانون من الهشاشة و  يعولون أسرا بالمنطقة و أغلبهم يسكن وسط الغابة.

و يؤكد أعضاء الاتحاد أنهم قادرون على خلق 400فرصة شغل يومية لمدة خمسة أشهر، و يهدفون إلى خلق وحدة للتقطير من أجل استمرار التشغيل في الشهور المتبقية كما أفادو بتوفرهم على خبرة ميدانية و أخرى مستلهمة من زيارتهم المتكررة لبعض الوحدات خارج الإقليم.

من جهته أفاد رئيس جمعية “واد الديس لسهب الخدوش” أن رئيس  الجماعة عرقل نجاح المهرجان المحلي “لامة الفلاح” الذي نظمته جمعيته بشراكة من الغرفة الفلاحية لجهة فاس مكناس  وسعى للتأثير على الساكنة لدفعهم للتغيب عن المهرجان الذي لم يحضره شخصيا ممتنعا عن التواصل، و يذهب أعضاء هذه الجمعية أن ماحرك رئيس الجماعة هو حسابات سياسية انتخابية.

و إذا كانت المقولة المأثورة تذهب إلى أن “لاديموقراطية بدون ديموقراطيين” فسياق موضوعنا يذهب إلى أن “لا تعاونية بدون ثقافة و وعي تعاوني” و إن تعلق الأمر ببيئة مطبوعة بالأعراف التضامنية، إذا يجب الانتباه إلى الفرق بين ثقافة التضامن و التعاون و ثقافة مأسسة التضامن و التعاون و الفرق بين مفهوم الالتزام التطوعي بالتضامن و إلزام القانون الأساسي للمتعاونين بالانضباط للهدف الجمعي والآليات المتفق عليها ديموقراطيا لتحقيق مشروع التعاونية.

الخلل ذي المصدر البشري و المعرفي.

أوضح لخضر رئيس تعاونية بجماعة باب مرزوقة أن سبب خلل تعاونيته يعود بشكل أساسي إلى ضعف كفاءة شركائه في مكتب التعاونية التي أسسوها معه طمعا في ريع  لاعتقادهم أن “المخزن” سيعطيهم الدعم ليتقاسموه كما يعتقدون أن التعاونية ستشتغل من تلقاء نفسها و لم يبدلوا أي مجهود متناسين أن التعاون هو المبدأ.

و أكد أنه كان يعتزم المساهمة بقطعة أرضية لبناء معصرة زيتون لكن شركاءه لم ينفذوا إلتزامهم  بدفع 3500درهم التي اتفقوا عليها ، و الأكثر من ذلك أنهم اختفوا و النتيجة أن التعاونية “تزلعات” حسب وصفه.

وواصل الرئيس حديثه عن ظهور شخص آخر (أستاذ) ارتأى أن يطعم به المكتب لأنه “قاري“ و يمكنه في الحد الأدنى الالتزام بالتواصل المثمر مع الإدارة موضحا أهمية الجانب الثقافي(المعرفي) في العمل التعاوني.

 

تعاونية بتازة: توقيت الإعلان عن المعارض  مشكل حقيقي  يجب التفكير في تحسين آليات تدبيره:

قالت عضوة في تعاونية أن” مشكلتنا الكبرى هي صعوبة الولوج إلى المشاركة في المعارض متحدثة عن سوء تدبير يطال  هذا تنظيم هذا الولوج و أفادت أن تعاونيتها لم تعرف بخبر تنظيم المهرجان الجهوي بتازة المنظم في دجنبر 2019 إلا عبر الفيسبوك يومين قبل تاريخ المعرض.

و عبرت العضوي ذاتها عن وجود مؤشرات توحي بأن المشاركة في المهرجانات مرتبطة بعلاقات الزبونة و المحسوبية، مقترحة تنظيم فضاءات تجمع التعاونيات لتبادل الخبرات و التعاون.

 

شاهد أيضاً

الحكومة تصادق تعديل مشروع قانون يهم دعم بعض الأجراء والمشغلين

أعلن رئيس الحكومة سعد الدين العثماني اليوم الأربعاء 09 شتنبر، عن مصادقة مجلس الحكومة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اكيد 24