اقتصاد

الاقتصاد الاجتماعي التضامني : طريق ثالث بالمغرب يضع المصلحة العامة محركا للتنمية و تحقيق العدالة الاجتماعية.

يوسف العزوزي:

ينحث المغرب توجها اقتصاديا ثالثا متمايزا عن طريقي الاقتصاد العام و الخاص،  مرتكزا على التعاونيات و التعاضديات و الجمعيات مستمدا روحه من  من تطوير إرث ثقافة اجتماعية وجدت تحت أشكال متعددة  كالتويزة  و الخطارات  وو، و حاجة دولية عبرت عنها منظمة العمل الدولية إثر اعترافها  ضمن وثائقها بالاقتصاد الاجتماعي التضامني ” كنمودج اقتصادي يتوخى استدامة التنمية الاقتصادية و خلق فرص الشغل و إرساء عدالة اجتماعية”،  و يتغيى المغرب  من خلال هذا التوجه استنبات  نسق اقتصادي يشمل قطاعات  الفلاحة و الصحة و التعليم و الصناعة التقليدية  لتحقيق عدالة اجتماعية  ومجالية و خلق فرص الشغل .

فإذا كان الاقتصاد  العام يهتم بالتحليل الاقتصادي للسياسة النقدية و المالية و يهتم بمعدلات التوظيف و تضخم الأسعار و معدل الاستهلاك  و الإنفاق و الاستثمار ،  و الاقتصاد الخاص  يدرس تحليل السلوك الاقتصادي  للعناصر الاقتصادية كالأفراد و الشركات و تفاعلهم في السوق فإن توجه الاقتصاد الاجتماعي و التضامني  جاء للإجابة على الأسئلة المحلية التي بقيت عالقة بين التصورين الليبيرالي  و الاشتراكي  و المتعلقة بتحقيق العدالة الاجتماعية  التي همشتها عقلانية  اقتصاد السوق  و “براكماتية” البحث عن الربح ..

فالأولوية التي يحظى بها الاقتصاد في مجتمع  ضعفت فيه الروابط الاجتماعية و الثقافة التضامنية و تنامت فيه مشاعر القلق و الإحباط  بسبب ارتفاع منسوب هاجس الربح الذي يفرضه منطق السوق  يستوجب  استنبات باراديكما  جديدا  لتأطير  الفعل الاقتصادي  في الواقع الشمولي  للظواهر الاجتماعية  لإعطاء صورة جديدة عن هذا العالم تتجاوز  حدود ما هو  اقتصادي صرف و تتناول البعد الاجتماعي التضامني  من خلال النهل  من ثقافة المجتمع  المغربي في هذا المجال.

الأشكال التقليدية المغربية للاقتصاد الاجتماعي و التضامني

تويزة:   معناها  بالأمازيغية التعاون و هي موروث ثقافي  مغربي يتم فيه تجمع وتعاون جماعة من المجتمع أو القرية من أجل المساهمة في انجاز عمل خير أو مساعدة محتاجين أو فقراء أو بناء منزل لشخص أو مسجد أو جني حقول  حقول القمح أو أشجار الزيتون.

أغادير:  تطلق “إيغودار” (مفردها أغادير) في الثقافة الأمازيغية، على الحصون الجبلية، أو المخازن الجماعية، أو المنزل المحصن، وتبنى عادة على مرتفع يمنحها المناعة وصعوبة الاختراق لتستخدم في تخزين الحبوب والزيوت..، وأيضا كملجأ آمن لحفظ الحلي والمصوغات والوثائق، ويعدها البعض بمثابة إرهاص لأول نظام بنكي في العالم.

 العكوك : شكل تنظيم و تقاسم مياه السقي  يستهدف التوزيع و الاستغلال الجماعي للمياه السطحية .

الخطارات المائية:  أنظمة نقل نشيطة للمياه عبر أروقة تحت أرضية انتشرت في المغرب منذ أزيد من ألف سنة ، و هي معلمة اجتماعية وتراثا ايكولوجيا جديرا بالاهتمام ، لاسيما في الوقت الذي انتبهت فيه الانسانية الى أخطار التقلبات المناخية.

الوزيعة  : تقليد اجتماعي مغربي  متجذر في القدم  يهدف إلى إشاعة الفرحة و تعميق قيم التكافل و التعاون.. تقام الوزيعة خصوصا،في العالم القروي  حيث يجمع الأهالي الأموال لشراء العجول وذبحها، ثم يوزعونها على كل السكان بلا تمييز بين فقير وغني.

الشرط :  تقليد مغربي يتعلق بتدبير التعليم الأولي و تحفيظ القرآن  تتولى في مكونات “الجماعة” التكفل بتوفير مقابل لل”فقيه” باعتماد نسبة من المحصول و توفير المأكل و المسكن  مقابل عمله التعليمي  و الديني  .

 

الاقتصاد الاجتماعي التضامني  بالمغرب :

يرى المجلس الاقتصادي و الاجتماعي بالمغرب  أن الاقتصاد الاجتماعي  التضامني  يشكل أحد المفاهيم المتجدرة في المجتمع المغربي المستند إلى قيم التآزر و التعاضد من خلال مجموعة من الممارسات و العادات التي تنهل من التقاليد المجتمعية و تستند أيضا إلى المبادئ و التعاليم الدينية التي كرسها الدين الإسلامي الحنيف  و هي الممارسات التي وجدت بعد حصول المغرب على استقلاله إطارا قانونيا لممارستها تتمثل على الخصوص في قوانين الإصلاح الزراعي و ظهائر الجريات العامة ثم قانون التعاضديات و القانون المنظم للتعاونيات غير أن  سنة 2011 شكلت انعطافة كبيرة بعد المراجعة الدستورية و إقرار دستور 2011  ضمان الدولة حرية المبادرة ..و تعمل على تحقيق تنمية بشرية مستدامة من شأنها تعزيز العدالة الاجتماعية .

عرف مفهوم الاقتصاد الاجتماعي و التضامني  تطورا بالمغرب بعد تزايد الاهتمام الدولي  و تخصيص استراتيدجية وطنية للاقتصاد الاجتماعي و التضامني  للفترة ما بين 2010 و 2020  قبل أن يتم مراجعتها و تعويضها بإستراتيجية جديدة  و برنامج عمل للفترة ما بين 2018  2028 و ارتفعت وثيرة الاهتمام بالموضوع لدى عدد من المؤسسات الدستورية  خاصة المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي الذي اقترح في تقريره حول الموضوع تعريفا شاملا:”  يعبر الاقتصاد الاجتماعي التضامني  عن مجموع الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية التي تنتظم في شكل بنيات مهيكلة أو تجمعات لأشخاص ذاتيين أو معنويين بهدف تحقيق المصلحة الجماعية  و المجتمعية  و هي أنشطة مستقلة تخضع لتدبير مستقل و ديموقراطي تشاركي يكون الانخراط فيه حرا”.

كما  تنتمي إلى الاقتصاد الاجتماعي والتضامنيّ جميع المؤسسات التي ترتكز أهدافها الأساسيّة بالدرجة الأولى، على ما هو اجتماعيّ، من خلالِ تقديمها لنماذج مستدامة ومدمِجة من الناحية الاقتصاديّة، وإنتاجها سلعاً وخدمات تركّز على العنصر البشريّ، وتنْدرج في التنمية المستدامة ومحاربة الإقصاءِ حسب ذات المجلس.

معطيات حول الاقتصاد الاجتماعي  التضامني

أشار تقرير لمجلس المستشارين بالمغرب إلى كشف  المعطيات الإحصائية عن تطور ملحوظ في مجالات الاقتصاد الاجتماعي  التضامني يترجمها بشكل خاص تطور عدد التعاونيات في المعرب باعتبارها النموذج الأكثر انتشارا لهذا النوع من الاقتصاد حيث فاق عدد التعاونيات المحدثة إلى حدود سنة 2018 ما مجموعه 20 ألف تعاونية من ضمنها 2677 تعاونية نسائية  و تهتم حوالي 67 في المائة من التعاونيات بأنشطة القطاع الفلاحي و فيما تنشط 16 في المائة منها في الصناعة التقليدية و 6 في المائة في مجال الإسكان  و تجاوز عدد المنخرطين في التعاونيات نصف مليون متعاون 29 في المائة منهم نساء متعاونات .

و قد عرف تأسيس التعاونيات ارتفاعا ملحوظا بعد دخول القانون الجديد رقم 112.12

المتعلق بالتعاونيات حيز التنفيذ حسب كتابة الدولة المكلفة بالقطاع و ذلك بمعدل 3500 تعاونية سنويا و تسليم 1100 شهادة مصاد على التسمية شهريا.

 

إكراهات الاقتصاد الاجتماعي  التضامني

يرى محمد مستغفر أن مفهوم  الاقتصاد الاجتماعي و التضامني يتغير  حسب القيم التي تحدد حقل اشتغاله  في كل بلد بموضحا أن النسيج التعاوني يشكل  المكون الأساسي لقطاع الاقتصاد الاجتماعي  و التضامني  بالمغرب  من خلال مناصب الشغل التي خلقها  و مساهمته في الاندماج الاجتماعي و التنمية الاقتصادية .

و أكد مستغفر  على ضرورة انخراط كل الفئات الاجتماعية  و المقاولات بمختلف قطاعاتها  و الفعاليات الترابية  في الرفع من النمو الاقتصادي  الوطني  و تشجيع دينامية الإبداع لخلق كفاءات قادرة على الرفع من الناتج  الوطني  و التأثير خارج الحدود.

و أوضح محمد مستغفر أن القطاع التعاوني يواجه عدة إكراهات على المستوى القانوني و المؤسساتي  و السوسيو اقتصادي  ووصف إجراءات المواكبة  التي تقوم بها الدولة لدعم التعاونيات  بالغير الكافية .

و قال مستغفر أن النسيج التعاوني يعاني من غموض القانون المنظم  للتعاونيات رغم التعديلات الأخيرة التي لم تغطي  القصور على مستوى ضعف الوسائل التنظيمية لمواكبة التعاونيات  و الخلل الحكامة  المترتب عن ضعف المستوى التأهيلي للمسيرين و المنخرطين   بالإضافة إلى صعوبة الولوج إلى التمويل  و التغطية الصحية للأعضاء ..و بالتالي فإن مساهمة التعاونيات في الناتج الداخلي لا تتجاوز 1.5/100 .

كما تحدث  تقرير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي  عن “إكراهات على مستوى الشرْط المتعلق بإثبات مزاولة النشاط من أجل الانخراطِ في تعاونية، وخاصة بالنسبة للشباب حاملي الشّهادات، وللأشخاص الذين يزاولون نشاطاً في القطاع غيْر المهيكَل. كما ينْطوي هذا القانون على بعض الغموض والتّضارب، ويفتقد إلى الإنْصاف في عَدَمِ تعامله مع خُصُوصيّة التعاونيّات الخاضعة للضّريبة بنفس التعامل مع باقي الشركات (العمليات التي ينجزها الأغيار، وفي حالة حلّ التعاونية).

أنجح التجارب الدوليّة في مجال الاقتصاد الاجتماعي التضامني.

حسب تقرير للمجلس الاقتصادي و الاجتماعي  المغربي فإن  “الاقتصادُ الاجتماعيّ والتضامنيّ،  يلعب على المُستوى الدوليّ، دوْرًا هامّا، إنْ على الصعيد الاقتصاديّ أو البشريّ. ففي أوروبا، يشغّل هذا الاقتصادُ ما يربو على 14,5 مليون شخص، أيْ حواليْ 6,5 في المائة من السّاكنة النشيطة في بلدان الاتحاد الأوروبي  l’UE-27. وفي بعض البلدان، مثل بلجيكا وفرنسا وهولندا، يُساهم الاقتصاد الاجتماعيّ والتضامنيّ بأكثر من  10 في المائة من الناتج الداخليّ الخامّ. وقد أظهرت هذه التجارب مجتمعة أن الاقتصاد الاجتماعيّ والتضامنيّ مكّن بعض هذه البلدان من التغلب على بعض الآثار السلبية التي خلّفتها أزْمة 2008.

وتعترفُ دَسَاتير العديدُ من الدّول بالاقتصادِ الاجتماعيّ والتضامنيّ. ومنْ ثمّ، فقدْ تبيّن أن اعتمادَ قانون ( قانون- إطار) وطني يُعتبَرُ حاجةً ماسّة من أجل وضْع إطارٍ قانونيّ مُشترك لمجْموع مكونات الاقتصاد الاجتماعيّ والتضامني، بحيث يوفر هذا الإطار القانونيّ الحماية الضروريّة لمختلف مكوّنات هذا القطاع، والتي تسْمح له بالتطوّرِ وبالرّفْع من أهميته في الاقتصاد الوطني. ومنْ ثمّ، فإنّ دعْمَ السياسات العُمُومية للاقتصاد الاجتماعيّ والتضامنيّ يبرزُ، أوّلاً، على مستوى الإطار القانونيّ.

وتقومُ بعضُ النصوص القانونيّة المُنظِّمة لقطاع الاقتصاد الاجتماعيّ والتضامنيّ، بإحداث بنيات استشارية مستقلة وديمقراطية، تتألف من الهيئات الأكثر تمثيليّة للفاعلين في الاقتصاد الاجتماعيّ والتضامنيّ، وذلك بغاية التوفر على مخاطب وحيد ومفضّل (كندا- الكيبيك – إسبانيا)، وكذا ضمان المشاركة الكاملة والفعليّة للفاعلين في عملية إعدادِ وتنفيذ وتقييم السياسات العموميّة الخاصّة لهذا الغرض.

وعلاوة على ذلك، فإنّ هذه الهيئات المواكبة، ولا سيّما في دولة الإكوادور، قدْ ساهمتْ إلى حدّ كبيرٍ في تحويلِ القطاع غير المُهيْكَل إلى قطاع مهيكَلِ، وهو القطاع المبنيّ والمنظَّم. هذا في الوقت الذي أنشأتْ فيه البرازيل هيئة وطنية لتسْويق منتوجات وخدمات الاقتصاد الاجتماعيّ والتضامنيّ توجّهها وتحكمها مبادئ العدالة والتعاون والشفافية والتضامن. ويعتبر نظام التجارة العادلة والتضامنيّة، الذي أقرّه رسميًّا الرئيس البرازيلي، أوّل نظامٍ للتسْويق في العالَم تعترف به الدولة وتدعمه.

وفي بعضِ البلدان، التي يعرفُ فيها مشروع الجهويّة تقدّما كبيرًا، فإنّ البعد الجهوي والمحلي قدْ عمل، من جهةٍ، على ظهور أقطابٍ تنافسيّة جهوية، ومن جهة أخرى على تطوير دينامية اقتصادية جهويّة ومحلية كبيرَة.

كما حرصتْ بعضُ البلدان على تطوير القطاع التعاونيّ عن طريق الدعم المالي المبتكر، وذلك بالاستناد إلى آلية الحوافز المالية (حكومة فالنسيا). كما أنّ تطويرَ التمويل التضامنيّ من قِبَل البنوك التعاضديّة، والصناديق التضامنيّة، لتمويلِ مشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامنيّ، يعتبر مثالا جيّدا ينبغي الترْكيز عليه (الكيبيك)”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى