قانون 17.04 (مدونة الأدوية والصيدلة) بين النظرية والتطبيق


(أسامة النجاري: باحث في العلوم الجنائية في سلك الدكتوراه بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس)
تقديم:
تعتبر الصحة من بين التحديات التي تواجه مختلف الحكومات حول العالم خصوصا في دول العالم الثالث، وتكون المؤشرات مقلقة عادة، وهذا راجع إلى غياب إطار قانوني متين منظم يهكل القطاع بشكل سلس هذا من جهة، ومن جهة ثانية هناك عدة معيقات مرتبطة بالاستثمارات وتأهيل العنصر البشري وتكوينه… المغرب شأنه شأن باقي الدول لم يسلم من مثل هذه الاختلالات، لذلك سعى إلى التقليص من هذه الأرقام منذ الاستقلال إلى غاية اليوم عن طريق فك العزلة عن بعض المناطق، والاعتماد على كفاءات طبيبة مغربية بدل الأطباء الأجانب، وركزت الإصلاحات على الجانب الوقائي قبل العلاجي، حيث كون فئات عريضة من مختلف المتدخلين لمحاربة بعض الأمراض وأحدث عدة مستشفيات وكليات لتدريس الطب، وضع قوانين مؤطرة وقوانين تنظيمية في المجال الطبي والصحي والدوائي.
ولعل أبرز هذه القوانين هو قانون 17.04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة الذي يشكل موضوع الدراسة التي سنقسمها إلى شقين، شق يتعلق بالجانب النظري وشق يتعلق بالجانب العملي وما يطرحه من تحديات وصعوبات.
- الشق النظري:
باستقرائنا لمضمون هذا القانون، نلاحظ أنه يتألف من أربعة أقسام، وقد خصص المشرع القسم الأول إلى الأدوية والمنتجات الصيدلية غير الدوائية والقسم الثاني لمزاولة الصيدلة، أما القسم الثالث فقد خصصه لمفتشية الصيدلة، فيما خصص القسم الرابع والأخير للأحكام الانتقالية والزجرية.
عودة إلى الموضوع وعلاقة بمضمون القانون، فقد ركز هذا الأخير في قسمه الأول على إعطاء التعريفات التي سيدرج استعمالها لاحقا في هذه المدونة، وحسنا ما فعل بقيامه بذلك، لكن ما يمكن ملاحظته عند التقدم في استقراء النصوص أنه سيعطي تعريفات لاحقة لبعض المصطلحات الأخرى، ربما لأنه في البداية حاول إعطاء نظرة شمولية فقط وأورد إذ ذاك المصطلحات العامة نذكر منها على سبيل المثال في المادة الأولى ماهية الدواء، وما يدخل في حكمها في المادة الثانية ودستور الأدوية “الغارما كوبيا” في المادة الرابعة.
ثم انتقل بعد ذلك تدريجيا للحديث عن الأحكام المتعلقة بالأدوية (الإذن بالعرض في السوق، الصناعة والاستيراد والتصدير والبيع والتوزيع بالجملة، وكذلك عن طريق صرف الأدوية وطرق إشهارها، وأيضا طرق حفظها ونقلها وإتلاف غير الصالحة منها.) وذلك في الباب الثاني من القسم الأول من المادة 7 إلى غاية المادة 51.
كذلك تحدث في هذا الفرع عن بعض المنتجات الصيدلية غير الدوائية والتي تثير جدلا واسعا سنخصه بالذكر في الشق العملي.
بالنسبة للقسم الثاني المعنون بمزاولة الصيدلة فقد خصصه المشرع لتحديد الأماكن المخصصة لمزاولة الصيدلة (صيدليات، مخزونات الأدوية بالمصحات والمؤسسات المعتبرة في حكمها، المؤسسات الصيدلية) وذلك في الباب الأول منه، ثم حدد شروط مزاولة المهنة في الباب الثاني وصنفها إلى شروط عامة وأخرى خاصة بصيادلة المؤسسة الصيدلية، ومتى يمكن سحب الإذن بمزاولة المهنة وهي كعقوبة إدارية مرتبطة بأخلاقيات المهنة بسحب الإذن عند صدور حكم مدني أو جنائي نهائي يتعلق بالصحة أو مخالفة هذا القانون أو في شأن التسميم. وحدد في الباب الثالث قواعد مزاولة المهنة التي تتعلق بمختلف أشكال مزاولة المهنة والتي ترتبط بالمزاولة فقط، والتي تتعلق بالمؤسسات، وحدد المسؤوليات الملقاة على عاتق كل من الصيادلة المسؤولين والمندوبين وأيضا المساعدين، وكذلك النائبين عنهم…
وقد تناول بالذكر في القسم الثالث من هذا القانون الجانب الرقابي والمتمثل في مفتشية الصيدلة التي بإمكانها أخذ العينات ومراقبة المستودعات وجودة الأدوية وغيرها ويعهد بذلك إلى مفتشون محلفون مفوضون بشكل قانوني من وزارة الصحة.
أما القسم الرابع والأخير فقد خصصه المشرع إلى الأحكام الانتقالية والزجرية، تتعلق بدخول هذا القانون وبنوده حيز التنفيذ، وأيضا المخالفات المرتبطة بهذا القانون ومن بينها مزاولة الصيدلة بصفة غير قانونية والتي نصت عليها المادة 134 ونصت على عقوبتها المادتين 135 و136، وجرائم أخرى من قبيل انتحال صفة صيدلاني والتي أحال فيها المشرع على نفس العقوبة المقررة في القانون الجنائي… وما يلاحظ بالنسبة للعقوبات هو قيمة الغرامات المالية التي تشكل ردعا عاما قبل الردع الخاص، فإنها تصل إلى مليون درهم في بعض الجرائم.
- الشق العملي:
أما بالنسبة لهذا الجانب، فقد شكل محور دراسة اعتمدت في عدة ندوات علمية منظمة من طرف “مركز سايس لحماية الأسرة والطفل” -الذي تترأسه الدكتورة سعاد التيالي وبعض الفاعلين المتميزين على الصعيد الوطني- وقد خصص المركز في يوم 10 نونبر 2018 في الندوة الوطنية المتعلقة ب “الحق في الصحة بين النص القانوني والتطبيق” جزء من المداخلات المطروحة حول فعالية هذا القانون وتنزيله على أرض الواقع.
فقد أشار الدكتور أنوار الناجي إلى أن المغرب قام بإصلاحات قانونية هامة تمخض عنها قانون17.04 سنة 2006 وقوانين أخرى مثل مرسوم 2013 حول تحديد سعر الدواء…كما أنه من الناحية الاقتصادية يتوفر على 45 وحدة صناعية في مجال الدواء وهي تكفي لسد حاجيات 62% من السوق المحلي و10% موجهة إلى التصدير الخارجي، كما يتوفر المغرب على 50 شركة لتخزين وتوزيع الأدوية، لكن ما يلاحظ أن هذه المجهودات المبذولة سواء على المستوى القانوني أو في إطار المواكبة الاقتصادية عن طريق الصناعات الدوائية، فاستهلاك الفرد المغربي الواحد يتجاوز 400 درهم في السنة وهو ما يؤكد صعوبة توفير وإتاحة الدواء للمواطن في ظل غياب مظلة تأمينية شاملة تمكنه من الاستفادة من هذا الدواء.
من جهة ثانية توجد هناك عدة اختلالات وضحتها اللجنة الإدارية بوزارة الصحة من بينها:
- ظروف التخزين غير ملائمة لبعض الأدوية؛
- غياب معايير لتمكين جميع المختبرات من الحصول على الأدوات والترخيصات وذلك على قدم المساواة؛
- نشوء مختبرات وهمية؛
- الرفع من أسعار الدواء عبر فرض الرسوم التي تؤدى إلى خزينة الدولة، فيصبح الصيدلاني موظف لذا قطاع المالية بطريقة غير مباشرة؛
- غياب المرونة في تحديد الأسعار وهذا راجع إلى الفراغ التشريعي المواكب بالنصوص التنظيمية، مما أدى إلى تشكل لجان تضم أشخاص غير متخصصين بالمجال.
وكملاحظة بسيطة أثارها الأستاذ عن الدواء الذي يصدر من المغرب إلى الخارج أو العكس، ويثبت عدم فعاليته أو إضراره بالصحة يتم حضره بالخارج وفق لوائح، ولكن في المغرب لا يحضر إلا وفق مسطرة خاصة بموافقة الوزير (سن مراجعة الدواء 5 سنوات)، كما أشار إلى أنه من بين الاختلالات الخطيرة الأمر المتعلق بسعر الدواء وعدم التحكم في الأسعار، هذا ما يتطلب تدخل لمعالجته فالمعيار المتبع في تحديد سعر الدواء (سعر الملصق دون احتساب الرسوم + هامش ربح الصيدلية + الضريبة على القيمة المضافة) فتبقى هذه المعاير الثلاثة غامضة في ظل عدم الرقابة من طرف اللجان المنصوص عليها في القوانين التنظيمية والتي لم تخرج بعد إلى الوجود.
واقد اقترح الأستاذ المذكور كمحاولة لهذه للتقليل من هذه المعيقات والاختلالات:
- نهج سياسة رشيدة عن طريق تخفيف العبء الضريبي تخفيفا من جانب الدولة.
- الترخيص الإجباري في بعض الأدوية خصوصا الباهظة الثمن للأمراض الخطيرة مثلا ويسمح بذلك قانون الملكية الفكرية والصناعية، خصوصا الأدوية المصنعة خارج المغرب (ما يسمى باستغلال البراء الإجباري) أو الاستيراد الموازي.
- تعميم التغطية الصحية.
- تقوية وتدعيم قطاعات الصناعات الدوائية (تطوير الأبحاث والتقنيات…).
- البحث عن إمكانيات إيجاد الشراكات لمصلحة متبادلة (التعاون جنوب جنوب…).
- تعزيز إمكانية صنع الدواء الجنيس.
- وضع آليات مبسطة لتحديد الأسعار.
على العموم توجد هناك العديد من الاختلالات التي لم يتم التطرق إليها من قبيل الجانب الطبي واستغلال العلاج من أجل المتاجرة مع المرضى في أماكن شراء الأدوية سواء من الصيدليات أو المؤسسات الصيدلية، كذلك المنتجات الصيدلية غير الدوائية التي لا تخضع لأية رقابة والتي تختلف أثمنتها من مكان إلى مكان، فيفرض بعض الأطباء على المرضى اقتنائها من مكان محدد دون الأماكن الأخرى، لغرض نجهله لحد الساعة، فإن كانت الوثيقة الدستورية تنص على الحق في الصحة، فإنها يجب أن تكون كل المؤسسات سواء العامة أو الخاصة على دراية تامة بأولية الخدمة الإنسانية على كل اعتبار آخر، وتفعيل مبادئ الحكامة في المجال الطبي والصيدلاني لكي نساهم في تنمية المجتمع ليصبح قادرا على العطاء.




