
محمد العشوري.
أعلن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في بلاغ صحفي، عن خلاصات أولية لرصده الميداني والرقمي بشأن أحداث العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية المحتلتين، معبرا عن قلقه البالغ إزاء التداعيات التي صاحبت هذه الأحداث على حقوق الإنسان، ولا سيما الحق في الحياة وحقوق الأطفال والحقوق المرتبطة بالهجرة، إلى جانب ما وصفه بأوضاع تمس الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية.
وتقدم المجلس بأحر التعازي إلى أسر ضـ.ـحايا هذه المأساة، مؤكدا أن خلاصاته استندت إلى رصد ميداني ورقمي وتحليل لمعطيات تم التحقق منها من مصادر متعددة، وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان والالتزامات الدولية ذات الصلة، وذلك في انتظار استكمال التحريات وإعداد تقرير أكثر تفصيلا.
وأوضح البلاغ أن المجلس أحدث، بتاريخ 29 يوليوز 2026، لجنة لليقظة والتنسيق والتتبع تضم عددا من اللجان الجهوية والمديريات المركزية، بهدف تعزيز عمليات الرصد الميداني والرقمي. كما قامت فرق المجلس بمعاينة محاولات العبور والاستماع إلى شهادات شباب وأطفال في عدد من المدن، فضلا عن تتبع المحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك عشرات المجموعات الرقمية التي كانت تنشر معلومات مرتبطة بالعبور.
وسجل المجلس، من خلال كرونولوجيا للأحداث الممتدة منذ يونيو الماضي، تصاعدا تدريجيا في وتيرة محاولات العبور، بلغت ذروتها يومي 30 و31 يوليوز، مشيرا إلى أن قرارا صادرا عن المحكمة العليا الإسبانية تعرض لتأويلات مضللة على شبكات التواصل الاجتماعي، استغلت في تعبئة آلاف الأشخاص وتشجيعهم على التوجه نحو سبتة ومليلية المحتلتين.
وأكد البلاغ أن الفضاء الرقمي لعب دورا محوريا في مختلف مراحل الإعداد للعبور، سواء عبر نشر أخبار زائفة، أو تداول إرشادات عملية، أو التنسيق بين المشاركين، أو الترويج لبيع معدات السباحة، فضلا عن رصد منشورات ومؤشرات قد ترتبط بشبكات للاتجار بالبشر، إضافة إلى تسجيل وجود حسابات أجنبية داخل مجموعات مغربية تنشر محتويات تشجع على العبور.
وعلى مستوى الحصيلة الأولية، أفاد المجلس بأن المعطيات المغربية إلى غاية 6 غشت تشير إلى ارتفاع عدد الوفـ.ـيات إلى 14 حالة، مقابل أرقام مختلفة أعلنتها سلطات سبتة المحتلة. كما سجل إصابة عدد من المدنيين وعناصر القوات العمومية، وإحالة عدد من الموقوفين على القضاء، إلى جانب توثيق أضرار لحقت بمركبات وممتلكات عامة وخاصة.
وأشار المجلس إلى رصد حالات عنف ومواجهات خلال محاولات منع العبور، فضلا عن تسجيل العودة الطوعية لآلاف الأشخاص وعودة آخرين بشكل قسري، كما وثق آثار اعتداءات وندوب على عدد من العائدين، واستمع إلى شهادات تضمنت ادعاءات متطابقة بشأن سوء المعاملة والاعتداء، مؤكدا أن هذه المعطيات تظل ضمن خلاصات أولية في انتظار استكمال البحث.
وسجل البلاغ أن السلطات المغربية اتخذت إجراءات لتقييد تنقل أعداد من الأشخاص في اتجاه مدن الشمال، كما رصد المجلس حالات يثار بشأنها مدى احترام الضوابط المنظمة لاستخدام القوة، خاصة مبدأي الضرورة والتناسب، مع التأكيد على ضرورة احترام المعايير الحقوقية الوطنية والدولية خلال مختلف التدخلات.
وفي المقابل، أعرب المجلس عن قلقه إزاء ما تعرض له عدد من العابرين داخل سبتة المحتلة، مشيرا إلى رصد حالات حرمان من الماء والغذاء عقب إغلاق مطاعم ومقاه ومتاجر، إضافة إلى توثيق اعتداءات ذات طابع عنصري واستهداف للمهاجرين، وعدم توفير الحماية الكافية لهم من هذه الممارسات.
كما سجل المجلس حالات تضليل إعلامي ورقمي رافقت هذه الأحداث، سواء عبر تداول أخبار غير دقيقة أو إعادة نشر صور ومقاطع جرى تعديلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن نشر فرضيات وتأويلات متسرعة دون التحقق من صحتها، داعيا إلى الالتزام بأخلاقيات النشر والمعايير الحقوقية، خاصة ما يتعلق بحماية كرامة الأشخاص وحقوق الأطفال.
وفي خلاصاته العامة، حذر المجلس الوطني لحقوق الإنسان من الاستغلال السياسي للعبور الجماعي، ومن تنامي خطاب الكراهية والعنصرية ضد المهاجرين، مؤكدا أن مقاربة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تختزل في الفقر أو الهشاشة فقط، بل تستوجب فهما أعمق للتحولات المرتبطة بتطلعات الشباب وتأثير الفضاءات الرقمية في تشكيل قراراتهم، مع التشديد على ضرورة احترام حقوق الإنسان وصون الكرامة الإنسانية في جميع مراحل التعامل مع هذه الظاهرة.




